منصة ثقافية أدبية

(( مازلنا ندفع ضريبة المواطنة الصالحة …!! )) عبد السادة البصري


بتاريخ أغسطس 16, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 5


مواويل جنوبية

# عبدالسادة البصري

      

في عام 1980 نزحنا قسراً من مدينتنا ــ الفاو ــ بسبب اشتعال الحرب العراقية الإيرانية، وتركنا بيتنا الذيبناه  أبي من عرق جبينه وتعب سني عمره من الطين واللِبِن ً ثم الطابوق والبلوك  طبعاً،، وقتها سكنالنازحون من الفاو أماكن عدة، وسكنّا غرفةً مع عائلات أخوالي في بيتٍ واحد، مات أبي بعد شهرين منهروبنا ــ نزوحنا ــ والحسرة تتكسّر بين حناياه، مات مقهوراً على حلم عمره الذي ضاع بسبب تهوّرورعونة الطاغية !!

بعد مرور السنين وانشغال الناس في أمورهم المعيشية وغيرها، وبعد أن كبرنا وأكملنا دراستنا  وزُجّ بنافي أتون المحرقة كوقود،، انتهت الأولى بعد ثماني سنواتٍ من الدم والخراب، وتلتها الثانية التي اشتعلتناراً  أحرقت كل شيء،  ثم أطبق الحصار على نفوسنا،، تزوجنا وأنجبنا وكَبُر أولادنا وتزوجوا وأنجبوا  لكنّناما نزال نازحين،،، رحلت امي، واخرون غيرها، ومرّت سنوات على سقوط نظام الطاغية المهووسبالحروب والدم، وجاءت حكومات المحاصصة المقيتة، ونحن على حالنا نتنقّل من مكانٍ إلى آخر ،، ففيثمانينات القرن الماضي وعند اشتعال الحرب واثنائها،  تنقّلنا بين ( الكوفة، حي طارق ــ البصرة، المعقل،الابلة، هندية النجف، ثم قبلة البصرة ) وفي التسعينات تنقّلنا بين ( القبلة، أم قصر، المعقل) ليتركأخوتي أم قصر بعد وفاة أمّي ويعودوا إلى الفاو مسقط رأسنا ومنزلنا الأول ( كم منزلٍ في الأرض يألفهالفتى/ وحنينه أبداً لأول منزل )،، لكنني لم أستطع العودة كوني أعمل في مركز البصرة لهذا بقيت فيالمعقل أتنقّل بين هذا البيت وذاك ــ  بالإيجار طبعاً ــ ولحد هذه اللحظة مازلت أعاني من الإيجارات،عانيت كثراً حتى اضطررت السكن في بيت حواسم ضمن العشوائيات !!

استذكرت رحلتي الايجارية وأنا أسمع وأقرأ عن هذا المسؤول الذي اشترى بيتاً بسعرٍ خيالي أو بنى عمارةتفوق الوصف، وذاك الذي بنى مولاً تجارياً و،،وو،،ووو وصولاً الى الدولارات والدنانير والمزارع والخيولوسبائك الذهب المدفونة هنا وهناك،  وعن كل طرق واساليب الفساد الذي عاث خراباً في البلاد وانهكالعباد !!

أمّا أنا وملايين المتنقّلين أمثال  بين إيجارٍ وآخر وفي العشوائيات، كأننا ندفع ضريبة انتمائنا الحقيقي لهذاالوطن  !!!

بعد 2003 ظهرت العشوائيات حيث بنى الناس عششاً وأكواخاً في الساحات العامة وبعض البناياتالحكومية المهجورة والحدائق وأسموها بيوتاً لضيق ذات اليد وأزمة السكن التي يعانيها المواطنون رغمالاراضي الشاسعة التي يستولي عليها المتسيدون بطرق واساليب لا يعرفها حتى ابليس نفسه!!

لم يلتفت أحدٌ لنا أبداً ولم يكلّف نفسه مسؤولٌ ما بالسؤال عن الفقراء وأصحاب الدخل المحدود منالموظفين والعمال وامثالهم، رغم إننا ــ أقصد المستأجرين  ــ نعاني الأمرّين في كل وقت، لكننا رغمالمعاناة والشكاوى التي يعرفها القاصي والداني إلا إننا وكلما ادلهمّت الخطوب وتعرّض الوطن للعدوانانتخينا، نحن الذين لا نمتلك شبراً واحداً فيه نهبّ متحزّمين بالعشق الازليّ لهذه الأرض للدفاع عنه،قدّمنا قرابين محبته شهداء بعمر الورد، جولة سريعة بين بيوت الفقراء وذوي الدخل المحدود سنشاهدآلاف اللافتات السود التي تنعى أبناءنا الشهداء الذين وقفوا بوجه الإرهاب ليمنحوا الوطن أعمارهم ،،لكنهلم يمنحهم شبراً واحداً  للسكن فيه  !!

كذلك حين هبّ الشباب مطالبين بوطن حر وامتلأت الساحات قدّمنا القرابين منهم ايضاً!!

ولدنا وكبرنا وأنجبنا  أولاداً وأحفاداً وذهب نظام وجاء آخر  لكننا مازلنا بلا سكن ،، ضائعين ولا نملك شبراً،أيعقل هذا في وطن مساحته آلاف الكيلومترات ؟!

متى تصحو ضمائر من استحوذوا على كل شيء ليلتفتوا إلى أبناء الإيجارات والعشوائيات، أم إنهم ليسوامن هذا الوطن ؟! وهذا ما تؤكده الأفعال طبعا !!!!

العمل والبناء والجهاد ونزيف الدم وكل الواجبات علينا ..لكننا لم نُمنَح حقاً إنسانياً واحداً ألا وهو السكن  ؟!!!

لنفترض  جدلاً أن الوطن استأجرنا لنقوم نيابة عن السادة المسؤولين وابنائهم بكل الواجبات ليناموا علىاكداس واكوام الدولارات وغيرها متنعّمين،  أليس من حقّنا أن نستلم أجور أتعابنا، أم نبقى مواطنين  بالإيجار فقط  ندفع لهم كل شيء حتى أعمارنا ومستقبل أبنائنا ؟!!!!!!!!

الوسوم: