منصة ثقافية أدبية

جمهـوريــة الخـائــفيــن


بتاريخ مايو 12, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 155


محمد الكلابي

في ندوة قدمتها باللغة السويدية حول علاقة الخوف بتشكيل الهوية الاجتماعية، انتبهت إلى شيء لم يكن موجوداً في الورقة التي أعددتها، كنت أتحدث عن الفرد حين يعيش وسط جماعة تراقبه ووجدت نفسي في تلك اللحظة أراقب ذاتي: نبرة صوتي ودقة كلماتي وحركة يدي وحتى تلك المسافة الضيقة بين ما أريد قوله وما قد يفهمه الآخرون، كانت هذه الارتجافة حذراً رقيقاً يسكن الأعصاب قبل أن يصل إلى اللسان ويدير الكلام من منطقة غائرة في النفس، وبدا لي أن القلق الاجتماعي يحكمنا من الداخل ويجد طريقه إلى أعماقنا ليبدأ عمله الصامت من هناك.

وهذا الصمت هو الذي جعل أفلاطون يتخيل المدينة في كتابه “الجمهورية” صورة مكبرة للنفس البشرية فالسياسة عنده تُفهم من الطريقة التي تترتب بها الرغبات والمخاوف داخل الفرد، وما نعيشه اليوم يكشف وجهاً قاسياً لهذه الفكرة حيث تتشكل أرواحنا حول رهبة تتنكر في هيئة احترام وواقعية وحرص على السمعة ونصيحة عائلية مغلفة بالمحبة، تلك هي اللحظة التي تولد فيها

(جمهورية الخائفين) حين تصبح الرقابة جزءاً من اللحم والدم ويحمل الكائن شرطياً صغيراً في صدره يرافقه أينما ذهب فيسبق هذا الرقيب بخطوة دائماً؛ يخفض صوته قبل الجملة الحساسة ويمزح بنصف فم ويختبر نظرات الحاضرين قبل أن يكمل حديثه.

هذا الحارس الباطني يبدأ حجر أساسه في البيت والمدرسة حيث يتلقى الطفل حدود اللغة الآمنة مع حروفها الأولى، هو يعرف جيداً الأسئلة التي تربك أباه والإجابات التي يرضى عنها أستاذه فينشأ على ابتلاع تساؤله وتأجيل رغبته تفادياً لإثارة الغبار حول اسمه، ومع مرور السنوات يتحول هذا التدريب إلى دستور عصبي وهو قانون خفي تراه في ارتباك العين قبل الجواب وفي التوجس من الفرح الزائد، فالعائلة والمدرسة يزرعان في رأس المرء مجلساً دائماً من الأصوات يرافقه في حبه وعمله ولباسه حتى يكبر الكثيرون وهم يديرون صورة خارجية على هيئة بشر ويتحول كل قرار خاص في أعماقهم إلى اجتماع طارئ مع وجوه غائبة.

وفي مثل هذه البيئة تلبس الأخلاق ثياباً أنيقة لستر تلك الارتجافة وتُساق كلمات المصلحة والحكمة والستر كي تُدار رغبات الأفراد من بعيد ويُطلب من الشخص أن ينكمش قليلاً كي تظل الجماعة مطمئنة إلى حالها التقليدي، فيدخل هذا القلق في مفردات محترمة يصعب الاعتراض عليها ويبدو التردد رزانة ويظهر الخضوع واقعية وتصبح الطاعة العميقة فعلاً مهذباً يصفق له المجتمع وهم يورثون أبناءهم الرهبة ذاتها، ومع الزمن يستقر الحذر في الحنجرة حتى يصبح الصمت رد فعل جسدياً تلقائياً وتصبح السلامة قيمة عليا تبتلع معها الصدق والكرامة.

حتى النجاح في ظل هذه المنظومة يحمل طابعاً دفاعياً فالفرد يطلب الشهادة أو المنصب حماية لنفسه من الإهانة الاجتماعية، ويصبح الإعمار ترخيصاً للوجود ويغدو الفشل عاراً يطارد الوجه؛ ولأن الخسارة هنا تكسر مكانة الإنسان في أعين الآخرين وتجعله مكشوفاً أمام أحكام قاسية لا ترحم يخشى الكثيرون خوض المحاولة ويسحبون هذا الحذر حتى إلى علاقاتهم العاطفية، فالقلب نفسه يتعلم السياسة قبل أن يسمح لنفسه بالاقتراب من رغبته وتتحول العاطفة إلى تفاوض طويل مع السمعة وقلق الأقارب، هكذا تظهر بيوت مستقرة في الصورة الخارجية لكنها خالية من الروح يحرسها الحذر أكثر مما يحرسها الحب.

إن جمهورية الخائفين تنهار ببطء حين يتوقف الأب عن توريث وجله لابنه بوصفه نصيحة وحين يسمح المجتمع للطفل أن يسأل دون إهانة وللشاب أن يفشل دون فضيحة وللصوت الصغير أن يخرج من الصدر دون التفات مذعور، فالحرية تبدأ حين يكتشف الإنسان أن السلامة التي تطلب منه خيانة صوته هي إقامة طويلة في قفص نظيف.

الوسوم: