د. بركات عباس الخفاجي.
لم يكن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قائداً سياسياً فحسب، وإنما كان مشروعاً إصلاحياً متكاملاً استند إلى قيم العدالة، وصيانة المال العام، وحماية كرامة الإنسان، وتغليب المصلحة العليا للأمة على المصالح الشخصية والفئوية. وقد جاءت مواقفه السياسية والإدارية امتداداً لمنهج النبوة والإمامة في إقامة الدولة القائمة على الحق والقانون، بعيداً عن الاستبداد والفساد وإهدار حقوق الناس.
وتكتسب دراسة منهج الإمام الحسن (عليه السلام) أهمية خاصة في العراق المعاصر، في ظل ما تشهده الدولة من حملات واسعة لمكافحة الفساد المالي والإداري، بوصف الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه بناء الدولة، وتعرقل التنمية، وتهدد الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة. ولم يعد الفساد مجرد مخالفة قانونية، بل أصبح ظاهرة تمس الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي استوجب تعزيز دور المؤسسات الرقابية والقضائية، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.
ان الإصلاح في المنظور الإسلامي ليس مجرد معالجة للأزمات الطارئة، وإنما هو عملية مستمرة تهدف إلى تقويم اعوجاج السلطة والمجتمع، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وتحقيق العدل بين الناس. وقد جسد الإمام الحسن (عليه السلام) هذا المفهوم في مختلف مواقفه، إذ لم يكن الإصلاح عنده شعاراً سياسياً، بل منهجاً عملياً يقوم على جملة من المرتكزات، أبرزها: تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، والمحافظة على وحدة المجتمع ومنع الفتن، ورفض استغلال السلطة لتحقيق المنافع الشخصية، وحماية المال العام باعتباره حقاً لجميع أفراد الأمة، وإرساء العدالة في توزيع الحقوق والواجبات.
وقد كان الإمام الحسن (عليه السلام) يدرك أن بقاء الدولة لا يتحقق بكثرة الجيوش أو اتساع النفوذ، وإنما يتحقق بسلامة الإدارة وعدالة القضاء ونزاهة المسؤولين، وهي المبادئ ذاتها التي تقوم عليها النظم الدستورية الحديثة.
وتشير التجارب المقارنة إلى أن الفساد يمثل تهديداً مباشراً لوجود الدولة، لأنه يؤدي إلى هدر المال العام، وتعطيل التنمية الاقتصادية، وضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات، وانتشار المحسوبية والرشوة، وإضعاف سلطة القانون، الإضرار بحقوق الإنسان، ولهذا أصبح المجتمع الدولي يعتبر مكافحة الفساد من أهم مؤشرات الحكم الرشيد، وهو ما أكدته اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003، التي انضم إليها العراق، والتزم بتطوير منظومته القانونية لمواجهة هذه الجريمة.
رغم أن الدستور العراقي لسنة 2005 لم يضع باباً مستقلاً بعنوان “مكافحة الفساد”، إلا أنه تضمن العديد من المبادئ التي تشكل الأساس الدستوري لذلك، ومن أهمها: مبدأ سيادة القانون وتنص المادة (5) من الدستور على أن: “السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها”، ولا يمكن تحقيق سيادة القانون بوجود فساد إداري أو مالي، لأن الفساد يؤدي إلى إخضاع القانون للمصالح الشخصية، وحماية المال العام، فإن المال العام يمثل ملكاً للشعب، ومن ثم فإن الاعتداء عليه يعد اعتداءً على حقوق المجتمع بأسره، وهو ما ينسجم مع المنهج الذي سار عليه الإمام الحسن (عليه السلام) في رفض العبث بثروات الأمة، واستقلال القضاء، فقد أكدت المادة (19) من الدستور على استقلال القضاء، كما نصت المادة (87) على أن السلطة القضائية مستقلة، ويمثل القضاء المستقل الركيزة الأساسية لمحاسبة الفاسدين، وهو ما يتفق مع فلسفة الإمام الحسن (عليه السلام) القائمة على إقامة العدل بعيداً عن الاعتبارات الشخصية.
كما ان مفهوم الحكم الرشيد يتحدد وفق المعايير الدولية على مجموعة من المبادئ، منها: الشفافية، والنزاهة، والمساءلة، والمشاركة، وسيادة القانون، والكفاء، والعدالة.
وعند التأمل في سيرة الإمام الحسن (عليه السلام) نجد أنها تجسد هذه المبادئ قبل أن تتبلور في الأدبيات السياسية الحديثة، فقد كان يؤكد أن الحاكم الأمين هو الذي يجعل السلطة وسيلة لخدمة الناس لا وسيلة للإثراء أو النفوذ، ومن أبرز معالم منهجه: رفض استغلال المنصب، والمحافظة على الأموال العامة، ومحاسبة المسيء، واحترام الكرامة الإنسانية، وتقديم الكفاءة في إدارة شؤون الأمة.
لقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة جهوداً متزايدة في مكافحة الفساد من خلال تفعيل دور القضاء، وهيئات النزاهة، والرقابة المالية، والأجهزة التحقيقية، واسترداد الأموال، وملاحقة كبار المتورطين في جرائم الفساد، غير أن نجاح هذه الجهود لا يعتمد على النصوص القانونية وحدها، وإنما يحتاج إلى بناء ثقافة مجتمعية تؤمن بأن حماية المال العام واجب ديني وأخلاقي ووطني.
وهنا تتجلى أهمية استحضار الانموذج الحسني في بناء الوعي المجتمعي، لأن الإمام الحسن (عليه السلام) كان يرى أن الإصلاح يبدأ بإصلاح الضمير قبل إصلاح المؤسسات، وأن مكافحة الانحراف الأخلاقي هي المدخل الحقيقي لمكافحة الفساد الإداري والمالي.
إن المتأمل في سيرة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يجد أنها تقدم أنموذجاً متكاملاً للإصلاح السياسي والإداري يقوم على العدالة، والنزاهة، وصيانة المال العام، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة. وهذه المبادئ لا تمثل قيماً دينية فحسب، بل تشكل كذلك مرتكزات دستورية وقانونية تتوافق مع مفهوم الدولة الحديثة والحكم الرشيد.
ومن ثم، فإن حملات مكافحة الفساد في العراق ستكون أكثر رسوخاً وفاعلية إذا اقترنت بإحياء القيم الأخلاقية التي دعا إليها الإمام الحسن (عليه السلام)، إلى جانب التطبيق الحازم للقانون، واستقلال القضاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة، بما يسهم في بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.
