محمد الكلابي
سيدي ابن خلدون،
سلامٌ عليك من زمنٍ يفيض بالحركة ويعاني شللاً خفيّاً
أقفُ مذهولاً أمام مرايا عصرنا، والدهشةُ غُصّةٌ في حلقي؛ كيف تحوّل التقدّم الذي ظننّاه خلاصاً إلى عبءٍ يجرّنا إلى الأسفل؟ وكيف صار كل ما يلمع حولنا يطفئ شيئاً في داخلنا؟ كل شيء يعمل، وكل شيء يتآكل، المدن تتمدّد، الطرق تُفتح، الشاشات لا تنطفئ، والوقت يُدار بدقة، ومع ذلك نشعر بأننا نبني بيوتنا على سرابٍ يلمع؛ قوامُه الحركة، وجوهرُه التلاشي، كأن المعنى ينسحب من تحت أقدامنا دون أن يترك أثراً يُمسك.
نحن في زمن لا يبدو مكسوراً، لا حرب تُعلن نهايتها، ولا خراب يفرض نفسه على الصورة، ومع ذلك هناك تصدّع داخلي لا يُرى، كأن العمران اكتمل شكلاً، لكنه فقد الإحساس، كأن الجسد صار أقوى، والروح أضعف. نغرق في طوفان المعلومات، لكننا نعاني جفاف الحكمة، نتكدس في فضاءات البث، ونتضور جوعاً إلى المؤانسة الحقيقية، لا شيء ينقصنا، ومع ذلك يسكننا فراغٌ عصيّ على الامتلاء، خواءٌ يتمدد بداخلنا بقدر تمدد المدن حولنا.
العصبية التي عرفتَها لم تختفِ، لكنها نزعت ثوبها القديم، لم تعد رابطة دم أو نسب، بل رابطة صورة ورأي ولحظة غضب، تتشكّل الآن بسرعة لا تسمح للعقل أن يلحق بها. يكفي أن تشتعل فكرة حتى يتكوّن حولها جمعٌ متراصّ، يتكلم بلسان واحد، ويغضب بوجه واحد، ثم يختفي كما ظهر، تاركاً أثره في النفوس. لم يعد الانتماء يحتاج إلى تجربة مشتركة، بل إلى موقف عابر، ولم يعد الصراع يتطلب مواجهة، بل مشاركة سريعة لا تكلّف صاحبها شيئاً، عصبيةٌ فجة، تفتقر لثبات العقيدة، وتمضي بجموحٍ لا يوقفه خجلٌ أو مراجعة.
أما الترف فقد بلغ عندنا صورة لم تكن في الحسبان، ليس ترف القصور ولا فائض الذهب، بل ترف السهولة. كل شيء متاح، كل رغبة لها طريق مختصر، وكل انتظار صار عبئاً، نقتاتُ على المتعة حتى نُفرغها من معناها؛ نلتهمها في عُجالةٍ تسلبها قيمتها، ونمضي للأخرى بلهفةٍ جوفاء. الامتلاء صار حالة دائمة، لكنه امتلاء يفرّغ، كثرة الخيارات لا تحرّرنا، بل تربكنا، والراحة حين تطول لا تمنح سكينة، بل فتوراً يجعل الإنسان غير قادر على الفرح ولا على الحزن كما ينبغي. لم نعد نبحث عن الحياة، بل عمّاً يلهينا عن الإحساس بثقلها.
العمران، بوصفه نظام حياة لا حجارة فقط، تضخّم حتى صار الإنسانُ مجرد هامشٍ في نصّ الحجر، أو ترساً ضائعاً في ماكينة العيش، الجوار ضعف، العلاقات تفتّتت، والانتماء صار هشّاً، نعيش متجاورين لا متقاربين، نعرف أسماء كثيرة ولا نعرف من نلجأ إليه عند الضيق. جعلنا نرى بعضنا كأشباحٍ في مرايا متقابلة؛ نلمس الانعكاس ولا نصل إلى الجوهر. نحن موجودون في الحيز، لكننا غائبون عن اللحظة، استطالت قامةُ الآلة، بينما انكمشَ الوجدُ في صدورنا، لا قسوةً، بل ضيقاً.
في تقاطع هذه المسارات يتبدّى لنا وجه الحقيقة الشاحب؛ حقيقة أننا نعيش وفرة تُفقرنا، لأنها تسلب الأشياء وزنها، اتصال يعزلنا، لأنه يكثر الأصوات ويقلل الإصغاء، عمرانٌ يمتدّ في الأفق بزهو، بينما تنكمش الروح في الداخل وتغورُ في غياهب التيه. لسنا في سقوطٍ صاخب، بل في تآكل هادئ، يشبه الصدأ حين يعمل بصبر، نتحرك كثيراً، ننجز كثيراً، لكننا نركض ببراعة في مداراتٍ مغلقة، لا تفضي إلى غاية.
السؤال الذي يطاردني ولا أجد له مفراً ليس سؤال السياسة ولا الاقتصاد، بل سؤال المعنى. هل ما نعيشه مرحلة أفول حضارة… أم أفول معنى؟ أنت أدرى منا بسنن النهوض بعد السقوط، لكننا اليوم أمام سقوطٍ أخرس؛ لا يُخلّف حطاماً نلمسه، بل فراغاً لا نعرف كيف نملأه. لكن ماذا لو كان التآكل في لبّ المعنى ذاته؟
هنا لا يُرمم البناء بالحجارة، بل باستعادة الإنسان لقدرته على الدهشة والاحتمال. فما نفعُ اكتمالِ البناء، إذا كانَ الإنسانُ هو الخرابَ الوحيد؛ لهذا، لو كنتَ بيننا اليوم، لما سألتَ عن مصير الدول، بل عن مصير الإنسان الذي يسكنها.
