منصة ثقافية أدبية

المرأة في السياسة العراقية بين الحضور والتأثير! / ندى سلطان


بتاريخ مايو 6, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 3


ندى سلطان

قبل مدة كتبت مقالاً تناولت فيه المرأة في السياسة العراقية، كان المقال متشعباً لكنه ضرب عدة نقاطوأثار حفيظة البعض ممن يرين أنفسهن في مصافي القياديات والسياسيات الحقيقيات اللاتي نقرأونسمع عنهن.. ما دفعني أن أتابع وبحرص شديد بعض ممن يسمين أنفسهن قيادات نسوية أو سياسية.. وشعرت بأسف شديد حيالهن لافتقارهن لأقل وأبسط مقومات القيادة الحقيقية والمنطق السياسيالمعتدل.. ولذلك أود في هذا المقال أيضاً أن أتناول هذا الجانب لكونه مهماً جداً ، ولا يقل أهمية أبداًعن واقع الرجال في السياسة حتى وإن أخذنا بعين الاعتبار الفوارق الجسمانية والنفسانية للجنسين..

إنَّ حضور المرأة في السياسة العراقية اليوم لم يعد أمراً مفاجئاً كما كان دائماً طيلة عقودمع بروزأسماء لامعة تصدرت المشهد السياسي منذ تأسيس الدولة العراقية حتى اللحظة.. فقد اعتاد العراقيونرؤية أسماء نسائية في قوائم المرشحين وعلى شاشات التلفزيون وتحت قبة البرلمان. لكن هذا الاعتياد لايعني بالضرورة أنَّ حضور المرأة قد تحول  إلى تأثير حقيقي ولا يعني أنَّ الطريق أصبح سهلاً أو ممهداً. فبين الحضور والتأثير مسافة طويلة لا تختصرها الأرقامُ ولا تبت فيها نسب المشاركة النسوية في أيةدورة تشريعية .

فقبل عام 2003 وإبان النظام الصدامي البائد لم يكن المجال السياسي مفتوحاً بالقدر الذي يسمحبتجارب نسوية مستقلة نعم كانت المشاركة النسائية موجودة، لكنها محدودة ومقيدة بسقف العملالتنظيمي الحزبي القائم آنذاك ، بحيث يصعب الحديث عن دور سياسي نسوي فاعل أو عن مبادراتمستقلة تُحدث فرقاً حقيقياًومع التغيرات التي شهدها العراق بعد ذلك العام بدا وكأن صفحة جديدةقد فُتحت أمام المرأة، خاصة مع اعتماد نظام الكوتا النسائية الذي خصص للنساء ما لا يقل عن ربعالمقاعد البرلمانية. هذه الخطوة في حينها، بدت كأنها نقطة تحول مهمة، ليس فقط لأنها رفعت نسبةالتمثيل بل لكونها كسرت حاجزاً نفسياً واجتماعياً طالما أعاق دخول النساء إلى العمل السياسي حتى وإنلم يكن بمستوى الطموحومع مرور الوقت ظهرت تجارب نسوية أثبتت أن المرأة العراقية قادرة علىمزاولة العمل السياسي لكن في صورة (معقبة معاملات) لا في صورة البرلمانية التي تشرع قوانينوتصوت على مقررات مهمة.. حتى في الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى الحكومة الحالية تولت نساءحقائب وزارية وشاركن في لجان برلمانية حساسة لكن تحت ظل الرجل، ومع وجود ملفات اجتماعيةمهمة مثل التعليم والصحة وقضايا المرأة والطفل ورغم أن بعض هذه التجارب كان لافتاً من حيثالجدية والالتزام وأعطى انطباعاً بأن تمكين المرأة سياسياً ليس أمراً مستحيلاً بل مسألة وقت وإرادة لكنهظل محصوراً على إشراكها بوصفها حصة حزبية أكثر من كونها سياسية حقيقية يمكنها تولي ملف معينوالعمل عليه لوحدها. فقد اعتدنا أن الصورة ليست دائماً بهذه الإيجابية فخلف الأرقام التي تشير إلىارتفاع نسبة تمثيل النساء.. هناك عقبات حقيقية تحد من فاعلية هذا الحضورالمجتمع في جزء منه،ما زال ينظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً ذكورياً بحت! ، ويُبقي على تصورات تقليدية حول دور المرأةوحدود مشاركتها.. هذه النظرة لا تظهر دائماً بشكل مباشر، لكنها تتجلى في ضعف الدعم المجتمعيللقيادات النسوية وفي التشكيك المستمر بقدراتهن، وفي محاولات التقليل من شأن أي نجاح تحققهامرأة في موقع سياسي!

أما داخل الأحزاب.. فالتحديات تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً إذ إن الوصول إلى مواقع القرار لا يعتمد فقط علىالكفاءة، بل على موازين القوة داخل التنظيمات السياسية، وهي موازين لا تكون في كثير من الأحيانلصالح النساء.. فأغلب النساء دخلن المعترك السياسي ضمن قوائم حزبية، لكنهن وجدن أنفسهن فيمواقع محدودة التأثير، تُستخدم أحياناً لاستكمال صورة تمثيلية أكثر منها لإشراك حقيقي في صناعةالقرار. وهنا تظهر المشكلة الأساسية التي يمكن من خلالها أن نجزم أن وجود المرأة داخل المؤسسة لايعني بالضرورة امتلاكها القدرة على التأثير داخلها.

ولا يمكن تجاهل التحديات الأمنية والإعلامية التي واجهت المرأة السياسية في العراق. فالعمل السياسيفي بيئة متقلبة يحمل بطبيعته مخاطر متعددة، لكن المرأة غالباً ما تتحمل عبئاً إضافياً يتمثل في حملاتالتشويه أو الانتقاد الشخصي الذي يتجاوز حدود الأداء المهني. في كثير من الأحيان، يتحول النقاش حولالمرأة السياسية إلى حديث عن مظهرها أو حياتها الخاصة، بدلاً من تقييم مواقفها أو إنجازاتها، وهو أمريضعف من صورة العمل السياسي نفسه قبل أن يسيء إلى المرأةكما أن الجدل قائم حتى الآن حولجدوى الكوتا النسائية! فمن جهة لا يمكن إنكار أنها فتحت الباب أمام مشاركة واسعة، ومنحت النساءفرصة الوجود في مواقع لم يكن من السهل الوصول إليها سابقاًلكنها ومن جهة أخرى لم تضمن دائماًحضوراً نوعياً مؤثراً، خصوصاً عندما يتم اختيار بعض المرشحات وفق اعتبارات شكلية أو حزبية ضيقة. فالكوتا، في حقيقتها كانت خطوة ضرورية، لكنها اليوم وبعد عدة دورات انتخابية تثبت أنها ليست كافيةوحدها لصناعة قيادات نسوية مؤثرة! لأنَّ الفارق بين الحضور والتأثير هو ما يحدد قيمة المشاركةالنسائية في السياسة ولأنَّ يمكن قياسه بالأعداد، أما التأثير فيُقاس بالقدرة على اتخاذ القرار، وعلىالدفاع عن المواقف، وعلى طرح رؤى تسهم في تحسين الواقع السياسي والاجتماعيوهذا التأثير لا يولدفجأة من لا شيء بل يعتمد وبشكل كبير على وجود بيئة سياسية صحية من الأساس أولاً وإلى دعممؤسساتي حقيقي وإيمان مجتمعي بقدرة المرأة على القيادة.. وقبل كل هذا وذاك، إيمان المرأة بذاتهاوبقدراتها

ولا يمكن تجاهل دور الإعلام في رسم صورة المرأة السياسية. فحين يُختزل حضورها في تفاصيل شكليةأو تُقدَّم بصورة نمطية سيصبح من الصعب على الجمهور أن يراها كقائدة سياسية كاملة الأهلية. ومعانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التأثير الإعلامي أكثر اتساعاً سواء كان ذلك إيجاباً وسلباً.. حيثيمكن أن يتحول أي خطأ بسيط إلى حملة واسعة، أو أن يتحول أي نجاح إلى مصدر إلهام لنساء أخرياتيفكرن في خوض التجربة ذاتها.

إلا أنني ومع كل ما سبق أعلاهما زلت أؤمن بأنَّ المستقبل ورغم كل التعقيدات والتخبطات التي يمر بهاالعراق، يحمل فرصاً حقيقية إذا ما جرى التعامل مع قضية تمكين المرأة بوصفها جزءاً من مشروع إصلاحسياسي شاملفالمرأة لا تحتاج فقط إلى مقعد في البرلمان ولا إلى منصب يخولها بمنح تواقيعوتراخيص بقدر ما تحتاج إلى تدريب وتأهيل وفرص متكافئة داخل الأحزاب، وإلى بيئة قانونية ومجتمعيةتحمي مشاركتها وتدعم استقلالها. كما أن تمكين المرأة اقتصادياً يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز حضورهاالسياسي، لأن الاستقلال المادي يمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قرارات مستقلة. ولا ينبغي النظر إلىمشاركة المرأة في السياسة باعتبارها مطلباً نسوياً فحسب وإنما ضرورة وطنيةفالدولة التي تسعى إلىبناء نظام سياسي متوازن لا يمكنها أن تستغني عن طاقات نصف مجتمعها مهما كانت نظرة المجتمعلهاوبين الحضور والتأثير، ما زال الطريق طويلاً لكنه ليس مستحيلاً. فكل خطوة حقيقية نحو تمكينالمرأة سياسياً هي خطوة نحو دولة أكثر عدلاً وتوازناً، دولة تقوم على الشراكة في المسؤولية، لا علىالاكتفاء بالمظاهر الشكلية للنساء.

الوسوم: