تعد الديانة الايزيدية واحدة من اقدم الديانات في منطقة الشرق الاوسط و هي ديانة متجذرة في عمق الحضارات القديمة في بلاد النهرين . و على الرغم من هذا الامتداد التاريخي العريق لم يتمكن الباحثون حتى اليوم من تحديد مرحلة زمنية دقيقة لنشأتها و يعود ذلك الى عمق جذورها في عصور سحيقة من جهة و الى ما تعرض له اتباعها عبر القرون من حملات ابادة و اضطهاد ممنهجة سعت الى محو وجودهم الديني و الثقافي من جهة اخرى .
كما اسهمت كتابات غير منصفة في فترات تاريخية مختلفة في تقديم صورة مشوهة عن الأيزيديين مما زاد من صعوبة دراستها دراسة موضوعية منصفة.
تنتمي الديانة الأيزيدية الى الديانات التوحيدية القديمة وتمتاز برؤية كونية شاملة ترتبط فيها العقيدة ارتباطاً وثيقاً بفكرة الخلق ونشأة الكون ونظامه . تنعكس هذه الرؤية بوضوح في طقوسها و مناسباتها الدينية التي لا يمكن فهمها بمعزل عن علاقتها بالطبيعة وعناصرها .
فالطبيعة في التصور الايزيدي ليست مجرد محيط مادي وانما هي مظهر من مظاهر القدرة الالهية وتجلي للنظام الكوني الذي يحكم الوجود ومن هنا يمكن القول ان الطقوس الدينية الايزيدية تقوم في جوهرها على رمزية التكوين الكوني وعلى العلاقة المتوازنة بين الانسان والكون والخالق .
تعد ليلة شيف برات من اهم الليالي المقدسة في الديانة الأيزيدية وتحمل مكانة روحية متميزة في الوعي الديني الجماعي .
يحرص الأيزيديون فيها على العبادة من غروب الشمس حتى طلوع الفجر بوصف السهر ممارسة تعبدية وروحية تهدف الى تجديد الصلة بالخالق و استحضار معاني النور الاول و بداية الخلق .
في هذه الليلة تجتمع العائلات والاقارب في مجالس يغلب عليها الطابع الروحي والاجتماعي في آن واحد حيث تتعزز الروابط الاسرية والاجتماعية ضمن اطار ديني يعكس وحدة الجماعة المؤمنة.
في معبد لالش النوراني الذي يمثل المركز الروحي الاقدس لدى الأيزيديين تقام طقوس خاصة في هذه الليلة ذات دلالات رمزية عميقة . عند الفجر و بعد تلاوة التراتيل الدينية واداء المراسيم يشعل رجل دين شعلة الفند المصنوعة من شمع العسل بفتيل محدد الارتفاع . تمثل هذه الشعلة رمزاً للنور الالهي ولحظة الاشراق الاول في الكون .
يقوم الادانيون بحمل الشعلة و التوجه بها نحو الشمسانيين في كانيا سبي حيث يجتمع المشاركون في طقس جماعي تتداخل فيه الحركة الجماعية و الانشاد الديني . و تؤدى في هذا السياق ” كوفند ” وهي دبكة دينية خاصة بالإيزيديين تحمل طابعاً طقوسياً يعبر عن الانسجام بين الفرد والجماعة و يجسد البعد الحركي في التعبير الديني .
و تتجلى الفلسفة الكونية للايزيدية بصورة اوضح في طقس صناعة البرات في ليلة شيف برات داخل لالش .
البرات هو تراب مبارك يؤخذ من مغارة مقدسة في المعبد و يعجن ليشكل على هيئة كرات صغيرة تشبه شكل الارض . تحمل هذه الكروية دلالة رمزية عميقة اذ تعبر عن تصور كوني يرى في الارض كياناً حياً ضمن نظام الخلق المتكامل . فالتراب هنا عنصر خلق و ذاكرة مقدسة في الوقت نفسه و يصبح البرات تمثيلاً مادياً رمزياً لوحدة الخلق و ترابط عناصره .
ان ليلة شف برات في ضوء هذا الفهم ليست مجرد مناسبة دينية زمنية ، هي لحظة رمزية لاعادة تمثيل الخلق على المستوى الطقسي واستحضار النظام الكوني في الوعي الجماعي .
شيف برات تمثل جسرا روحياً بين الانسان و خالقه و بين الفرد و جماعته و بين الانسان و الطبيعة التي تحتل مكانة مركزية في الرؤية الدينية الايزيدية و من خلال هذه الطقوس المتوارثة يحافظ الأيزيديين على استمرارية تراثهم الديني و هويتهم الروحية و ينقلون عبر الاجيال رؤية كونية متكاملة ترى في عناصر الطبيعة و تجليات النور والارض والحركة تعبيرا حيا عن سر الخلق ونظامه الالهي .
