منصة ثقافية أدبية

هل تُفسد السلطة العقل؟ / د عادل جعفر


بتاريخ يوليو 22, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 5


 

بقلم: د. عادل جعفر
استشاري الطب النفسي

لو فتحت كتاب الطب النفسي فلن تجد مرضًا اسمه “هوس الكرسي”. ليس لأن الطب لم يكتشفه، بل لأن المرضى هم الذين يجلسون على الكراسي التي تُقرّر ما يُكتشف وما لا يُكتشف.

القصة تبدأ ببساطة. يدخل السياسي المنصب وهو يبتسم للناس لأنهم انتخبوه. وبعد مدة قصيرة يقتنع أن الناس هم الذين ينبغي أن يبتسموا له، شكرًا لأنه ما زال يسمح لهم بالعيش تحت إدارته.

في البداية يطلب مكتبًا يليق بالمنصب، ثم سيارة، ثم حمايات، ثم موكبًا، ثم كاميرات. وبعدها يكتشف أن كل هذه ليست امتيازات، بل “حقوق مكتسبة”. أما المواطن، فمن حقه أن يشاهدها فقط.

السلطة تشبه بعض الأدوية التي تُسبب الاعتماد. الجرعة الأولى تمنح شعورًا بالقوة، أما الجرعات التالية فلا تعطي المتعة نفسها، فيحتاج صاحبها إلى نفوذ أكبر، وصلاحيات أوسع، وتصفيق أكثر. وحينها لا يعود يجلس على الكرسي، بل يصبح الكرسي هو الذي يجلس عليه.

ثم يبدأ تحول آخر. يختفي الأشخاص الذين يقولون الحقيقة، ويظهر متخصصون في الإعجاب. هؤلاء يملكون موهبة نادرة؛ يرون الإنجازات قبل أن تُنجز، ويؤكدون أن كل شيء على ما يرام، حتى لو كانوا يهمسون بذلك على ضوء مولدة كهرباء.

ومع كثرة التصفيق، يصبح النقد شيئًا غير مفهوم. فكل معارض عدو، وكل سؤال مؤامرة، وكل ملاحظة محاولة لإسقاط الدولة. وهنا يبدأ المسؤول بتصديق نسخة خيالية عن نفسه؛ يظن أنه الوحيد الذي يفهم، وأن غيابه سيوقف عقارب الساعة، وربما دوران الأرض أيضًا.

أما الفساد، فنادراً ما يدخل من الباب وهو يحمل حقيبة أموال. يدخل متواضعًا، مرتديًا عبارة صغيرة: “هذه مجرد خدمة”. وبعد سنوات تصبح الخدمة عرفًا، والعرف حقًا، والحق ملكية خاصة، حتى تختلط خزينة الدولة بجيب المسؤول.

والأطرف أن الفاسد لا يرى نفسه فاسد أبدًا. فهو يمتلك دائمًا تفسير جاهز: “الجميع يفعل ذلك”، أو “أنا أستحق”، أو “لولا وجودي لانتهى كل شيء”. وهكذا يتحول الضمير إلى موظف يعمل بدوام كامل عند المصلحة.

لذلك، ليست المشكلة في أخلاق الأشخاص وحدها، بل في الأنظمة التي تسمح لأي مسؤول بالبقاء طويلًا حتى يقتنع أن الوطن قطعة أثاث في مكتبه. فالدولة السليمة لا تعتمد على صلاح الحاكم، بل على قوانين تحد من سلطته، ومؤسسات تراقبه، وصحافة لا تخاف من إزعاجه.

فالكرسي يجب أن يبقى أصغر من صاحبه، والقانون يجب أن يبقى أكبر من الجميع. وعندها فقط، تنجو الدولة من مرض لا يزال الطب النفسي يرفض الاعتراف باسمه.

الوسوم: