ورثة الخوف
طرقاتٌ عنيفة على الباب.
“يمّه… إجوا.”
قالت أمي، وقد تسلل الذعر من يديها إلى سماء بعيدة، تحمل رجاء الرحمة وأدعيةً متقطعة.
أبي العليل لم يستطع حتى أن ينهض لاستقبال موفدي ذاكرة الخوف، الذين اخترقوا حديد الباب بنظراتهم المستفزة، وبدأوا الاستجواب عبر أثيرٍ هش.
فتحت أمي الباب أخيرًا، بعد أن قادت جسدها الذي أنهكته نكبات السنين، فيما لم يتوقف رجاء الرحمة في عينيها، وهما تقرآن ملامح القادمين.
دخل رفاق الاستجواب متأبطين سجلاتٍ سميكة، ببكروش نافرة، وشوارب صادرت ملامح الوجوه؛ شوارب الرجولة الضائعة.
قطعوا المسافة من مدخل البيت إلى الغرفة التي كان يرقد فيها أبي بخطوة واحدة، وأوصلوا رسالة السلطة الواضحة:
“أين أبناؤك؟ نريدهم. لازم تدلّنا عليهم. نأخذك أنت بدلًا منهم. إنهم متآمرون على الثورة.”
كان السؤال تهديدًا، وكان التهديد يدور حول أشقائي الذين غادروا العراق قسرًا، هربًا من الاعتقالات العشوائية التي رافقت بداية عام 1980، حين بدأ الظلام يصادر الحياة في بلادٍ لم تهدأ ولم تنعم يومًا بالطمأنينة.
ما زلت أسمع طرقات الرفاق على بابنا حتى الآن.
ذاكرة الخوف لا تصدأ، ولا تستبدل ما تخفيه على رفوفها. وليس لشيءٍ من محتوياتها تاريخ انتهاء.
إنها ذاكرة ترافقك في الأيام المُرّة والسعيدة، تراقبك طوال الوقت، ولا تستطيع أنت أن تتدخل في شؤونها المعقدة.
كنا في ملاجئ الحرب نحفر ثقوبًا في الأرض بطول أجسادنا، لنوهم الشظايا بأنها أخطأت الطريق، بينما كانت ذاكرة الخوف تستأنس بتسارع نبضات قلوبنا.
وللعراقي الحصة الأوفر من ذاكرة الخوف، حتى ليضاهي بها شعوب العالم أجمع.
إنها ذاكرة متجددة، تضيف إلى مخزونها الهائل ما يفيض عن طاقة استيعابها، ثم تمنح شيئًا منه لذاكرة الخراب، وتتفاخر أمام ذاكرة الأمل، وتسخر من ذاكرة الفرح، التي شحّ مخزونها، وباتت تستجدي ما يبقيها على قيد الحياة.
تفاجئك في الصباح لتعلن أنها أرغمت ذاكرة الفرح على الفرار، وأنه لا حاجة لك بتلك الشراكة الواهية.
إنها ذاكرة مستفزة، تشبه وجوه الرفاق الذين طرقوا بابنا.
لكنها، في النهاية، قابلة للهزيمة.
سأدعها تظن أنها ملكة الذاكرة كلها، بينما أخفي عنها خططي المرسومة بدقة، بمباركة ذاكرة الأمل، للإطاحة بها.
وكما هزمت أمي رفاق الأمس بصمتها المكابر، سأفتتح ذاكرة أخرى، لذاك الوطن القصي الذي يرافق خطوتي أينما ذهبت.
ذاكرة تفضح رغبتي العارمة في معانقته، والهمس له:
أنت ذاكرتي الوحيدة.
الذاكرة التي سترسم لي، أنا الحالم دومًا، طريقًا للنجاة.
العبارة والمعنى / د احمد مشتت
بتاريخ يوليو 18, 2026 |
في مقالات
المشاهدات : 3
