منصة ثقافية أدبية

ولاية القيم وسلطة المال/ محمد عبدالجبار الشبوط


بتاريخ يوليو 3, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


محمد عبد الجبار الشبوط

ليس أخطر على الدولة من عدو خارجي، ولا من أزمة اقتصادية عابرة، ولا حتى من نزاع سياسي محتدم، بقدر خطورة أن تتحول النخب التي أوكل إليها الشعب حماية المال العام وإدارته إلى جماعات متخصصة في نهبه والاستيلاء عليه. فعندما يصبح المسؤول العام لصاً محترفاً، وتتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للإثراء الشخصي والحزبي، تكون الدولة قد دخلت مرحلة الانحدار الأخلاقي والسياسي، واقتربت من السقوط في مستنقع الكليبتوقراطية، أي حكم اللصوص.
إن المال العام ليس مال الحكومة، ولا مال الأحزاب، ولا مال المسؤولين، بل هو مال الشعب بأجياله الحاضرة والقادمة. النفط الذي يستخرج من باطن الأرض ليس ملكاً لوزير أو وكيل وزارة أو مدير عام أو حزب سياسي، بل هو ملك لطفل يولد اليوم، ولشاب يبحث عن فرصة عمل، ولمريض ينتظر سريراً في مستشفى، ولطالب يحلم بجامعة متقدمة، ولمزارع يريد ماءً لأرضه، ولمواطن يتطلع إلى حياة كريمة في وطنه.
وعندما تمتد يد مسؤول كبير إلى هذا المال العام، فإن الجريمة لا تقتصر على اختلاس أرقام من حسابات مصرفية، بل هي في حقيقتها سرقة مباشرة من أفواه الفقراء، ومن مستقبل الشباب، ومن حق المجتمع في التنمية، ومن حق الوطن في التقدم والازدهار.
لقد كان من المفترض أن تكون السلطة أمانة، وأن تكون الولاية ولاية قيم، وأن يكون المسؤول خادماً للمصلحة العامة، وأن يكون المنصب تكليفاً أخلاقياً لا امتيازاً شخصياً. لكن ما نشهده في حالات كثيرة هو انقلاب كامل في منظومة المعاني؛ فقد سقطت ولاية القيم، وحلت محلها ولاية المصالح، وتراجعت سلطة الضمير، وصعدت سلطة المال، وغابت الأمانة، وحضر الجشع، وتلاشت المسؤولية، وحكمت شهوة الامتلاك والاستحواذ.
إن أخطر ما في النهب المنظم للمال العام أنه لا يكتفي بإفقار الدولة، بل يفسد المجتمع كله. فهو يرسل رسالة مدمرة إلى الناس مفادها أن النزاهة سذاجة، وأن العمل الشريف لا جدوى منه، وأن الطريق الأسرع إلى الثروة هو النفوذ السياسي، وأن القانون يمكن التحايل عليه، وأن العقاب يمكن الإفلات منه. وهكذا يتحول الفساد من سلوك منحرف إلى ثقافة اجتماعية، ومن استثناء إلى قاعدة، ومن جريمة إلى نمط حياة.
إن المسؤول الذي يسرق ملايين الدولارات من المال العام لا يختلف في جوهر فعله عن قاطع الطريق الذي يسلب المارة أموالهم، إلا أن الأول يرتدي بدلة رسمية، ويجلس في مكتب مكيف، ويوقع أوراقاً مختومة بأختام الدولة. بل إن جريمته أشد خطراً، لأنه يسرق باسم الدولة ومن داخل مؤسساتها، ويهدم الثقة التي يقوم عليها العقد الاجتماعي بين المواطن والسلطة.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن الدولة لا تنهار حين تنخفض أسعار النفط، ولا حين تواجه تحديات أمنية، وإنما تبدأ بالانهيار الحقيقي عندما تنتقل من ولاية القيم إلى ولاية الأهواء، ومن سلطة القانون إلى سلطة النفوذ، ومن خدمة الإنسان إلى خدمة الثروة، ومن بناء الحضارة إلى إدارة شبكات المصالح.
إن المجتمع الذي يتسامح مع سرقة المال العام، أو يبررها بالانتماءات الحزبية والطائفية والعشائرية، يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إدامة دورة التخلف وإعادة إنتاج الفساد. أما المجتمع الذي يدرك أن المال العام مقدس لأنه ملك للجميع، وأن الاعتداء عليه خيانة للوطن والأجيال، فإنه يضع الأساس الأخلاقي والوعي الحضاري اللازمين لبناء دولة حديثة تحكمها القيم لا الغرائز، والقانون لا الولاءات، والضمير لا الجشع.
إن معركة العراق الحقيقية ليست فقط معركة ضد الفقر أو البطالة أو سوء الخدمات، بل هي قبل كل شيء معركة لاستعادة ولاية القيم من قبضة المال، واستعادة الدولة من أيدي الذين حولوا الوظيفة العامة إلى تجارة، والسلطة إلى غنيمة، والوطن إلى فرصة للنهب المنظم.
ولا يمكن أن تبدأ نهضة العراق الحضارية إلا يوم يصبح سارق المال العام منبوذاً اجتماعياً، ومداناً أخلاقياً، ومعاقباً قانونياً، مهما كان منصبه أو حزبه أو نفوذه، لأن الأمم لا تبنى بأموال منهوبة، ولا تنهض بأيدٍ اعتادت أن تمتد إلى خزائن شعوبها.

الوسوم: