منصة ثقافية أدبية

وظيفة الدولة/ محمد عبد الجبار الشبوط


بتاريخ يوليو 18, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


محمد عبد الجبار الشبوط
على امتداد أكثر من ألفي عام دار الجدل الفلسفي حول سؤال واحد: لماذا تقوم الدولة؟
أجاب أرسطو بأن الدولة تقوم لتحقيق الحياة الفاضلة، لأن الإنسان لا يبلغ كماله إلا داخل مجتمع سياسي يسعى إلى الخير العام. ثم جاءت الفلسفة الليبرالية الحديثة، فغيّرت نقطة الانطلاق، وجعلت وظيفة الدولة حماية الأمن والحقوق والحريات، تاركةً للإنسان حرية اختيار صورة الحياة التي يريدها.
وقد أسهم هذا التحول في ترسيخ دولة القانون، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى تضييق مفهوم الدولة، حتى أصبحت في كثير من الأحيان جهازاً لإدارة الأمن والاقتصاد والقضاء، لا مشروعاً لبناء المجتمع.
أما الفلسفة الحضارية فتنطلق من سؤال مختلف: ما الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها حركة المجتمع كله؟
إن الإنسان لا يعيش بوصفه فرداً منعزلاً، بل يعيش داخل مركب حضاري يتكون من الإنسان، والطبيعة، والزمن، والعلم، والعمل، وتحيط به منظومة القيم التي تمنح هذا المركب معناه واتجاهه. ومن ثم فإن وظيفة الدولة ليست إدارة هذا المركب إدارةً بيروقراطية، وإنما قيادته نحو الارتقاء الحضاري.
ولهذا لا يمكن اختزال الدولة في الأمن، مع أن الأمن ضرورة، ولا في الاقتصاد، مع أن الاقتصاد أساس العمران، ولا في حماية الحقوق، مع أن الحقوق شرط الحرية والكرامة. فكل واحدة من هذه الوظائف تمثل شرطاً لازماً، لكنها ليست الغاية النهائية.
إن وظيفة الدولة الحضارية هي تحقيق التوازن بين جميع هذه الوظائف في إطار مشروع حضاري متكامل يجعل الإنسان محور التنمية وغايتها في آن واحد.
فالدولة الحضارية مسؤولة عن حماية الحقوق، لكنها مسؤولة أيضاً عن بناء الإنسان القادر على ممارسة هذه الحقوق بمسؤولية. وهي مسؤولة عن تنمية الاقتصاد، لكن غاية الاقتصاد ليست تراكم الثروة، بل إطلاق طاقات الإنسان الإنتاجية وتحقيق العدالة في توزيع ثمار التنمية. وهي مسؤولة عن التعليم، لكن التعليم ليس مجرد نقل المعلومات، بل بناء العقل الحضاري القادر على الإبداع وحل المشكلات. وهي مسؤولة عن القانون، لكن القانون ليس غاية في ذاته، وإنما أداة لحماية منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع.
ومن هنا فإن الخير العام لا يُفهم بوصفه مفهوماً أخلاقياً مجرداً، ولا بوصفه مجموع المصالح الفردية، بل بوصفه حالة الارتقاء المستمر للمجتمع كله في مختلف أبعاده الإنسانية والعلمية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
ولهذا تصبح الدولة الحضارية دولةً منتجة للفرص لا موزعةً للمنافع، ودولةً صانعةً للقدرات لا راعيةً للاعتماد الدائم عليها، ودولةً تستثمر في الإنسان قبل أن تستثمر في الموارد الطبيعية.
كما أن الحياد القيمي للدولة ليس ممكناً على الحقيقة. فكل دولة تستند إلى منظومة قيم، سواء أعلنت ذلك أم لم تعلنه. والسؤال الحقيقي ليس: هل للدولة قيم؟ بل: ما هي القيم التي ينبغي أن توجه سياساتها؟ وتجيب الفلسفة الحضارية بأن المرجعية ينبغي أن تكون منظومة القيم الإنسانية العليا، كالعدل والحرية والمسؤولية والكرامة والأمانة والتعاون والإبداع، لأنها القيم القادرة على تحقيق ازدهار الإنسان واستمرار الحضارة.
وبذلك لا تعود الدولة مجرد سلطة تحكم المجتمع، ولا مجرد حارس للحقوق، بل تصبح المؤسسة التي تنظم حركة المجتمع نحو المستقبل، وتنسق بين مختلف مؤسساته، وتوفر البيئة التي تسمح لكل إنسان بأن يحقق إمكاناته، ولكل جيل أن يضيف لبنة جديدة في البناء الحضاري.
وهكذا فإن وظيفة الدولة، في منظور الفلسفة الحضارية، ليست فقط أن تمنع الشر، ولا فقط أن تحمي الحقوق، ولا حتى أن تحقق الخير العام بمعناه التقليدي، وإنما أن تقود المجتمع في مسيرة الارتقاء الحضاري، بحيث يصبح الإنسان أكثر حرية، وأكثر عدلاً، وأكثر علماً، وأكثر قدرة على إعمار الأرض وتحقيق المقاصد العليا للحضارة الإنسانية.

الوسوم: