منصة ثقافية أدبية

الچنبر المسرحي / د محمد حماد


بتاريخ يونيو 15, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 3


بقلم الدكتور محمد حماد

.. حيث تتحول (البالة) إلى أزياء ملكية، والجهل إلى رؤية نقدية في زاوية قصية من أرصفة الفن المنسيّة، حيث يغتصب ضجيج الباعة جلال الإبداع الموؤد، ينبعث فجأة صخب من نوع هجين؛ إنه(الچنبر المسرحي)؛ تلك الألواح الخشبية التي نخرها العفن ولم تعد تكتفي بعرض الخردوات الثقافية، بل قررت في غفلة من ناموس الجمال،وشعوذة الابتذال، أن تبيعنا صكوك الغفران الفنية، هنا في دهاليز العبث الضيقة، يجرؤ بائع المسامير الصدئة أن يُفتي في أسرارالأساطير، لينقلب ذاك (الچنبرُ) المُلقى على قارعة الرصيف إلى عرش مرصّع بوهم القيادة، ليُتوج فوقه ملوك الزيف وسلاطين الغفلة الجمالية.

    تُفتح ستارة الملهاة حين يقرر سادن (الچنبر)، ذاك الذي لا يذود عن فقر موهبته إلا بلسان منزلق وقدرة بهلوانية على التملّق ولعق أعتابالنفوذ، أن يقتحم مضمار المهرجانات، وبدلا من أن يبسط بضاعته بمسكنة الكادحين، نراه وقد نفخ أوداجه كديك من ورق، يتبختر بزهوفقاعي، مُجسدا بصلف فجّ خيبةالمثَل الشعبي (اللحية عالية والجيوب خالية)، نراه متدثرا ببرقع أنفة يداري بها عُريه من المعنى الجمالي،متكئا على (بالة)الأفكار المستلبة التي لملم حطامها من فضلات الموائد الثقافيةالمرمية، وبوقار الثعالب، يحاول إقناع دراويش الغفلة بأن تلكالأسمال الرثّة، الملقاة على خشب رصيفه، ليست سوى (أزياء ملكية) حيكت من حرير الخيال، ولا يرتديها إلا صفوة المبدعين، وكأن العُريالفكريّ صار في مذهبه آية من آيات الجمال! لكن الفجيعة الكبرى لا تستوطن أخشاب (الچنبر) ذاتها، بل تكمن في تلك الأيدي التي أهدتصاحب هذا الرصيف مفاتيح القلاعالجمالية الحصينة، ففي رحلة التائه وسط ملكوت الشتات، نجد أنفسنا أمام ملهاة تُبكي العقول الباحثةعن الجمال؛ إذ يُنصّبأُمّي البصيرة قاضيا فوق منصات البيان، ويُسلّم صولجان الحُكم الإبداعي لضرير الذائقة وعقيم الخيال، وهنا يصفعناالواقع بالمثل الشعبيّ المر (سلّمنا الگرعة تمشطنا)؛ فكيف نرجو لجدائل الفن استقامة أو دلالا على يد من لم يلمس حرير الإبداع يوما؟وكيف ننتظر نقدا يرفع البناء الفني ممن رمت به الصدفة العمياء أو الشفقة البلهاء في مقام الأستاذ، وهو أبعد ما يكون عن شرف التلمذة؟

    إن هذا المتسلّق (الچنبري) يحاول بشهوة الذي يتشبث بزبد الأوهام أن يتقمص دور العرّاف، فينفث فجاجة آرائه كبخوريظنه ترياقاللخلود، لكنه لعتمة سريرته يطبّق تلك القاعدةالمفجعة التي يلخّصها المثل الشعبي (الما يعرف بالبخور يحرگثوبه)، فهو لا يكتفي بوأد اللحظةالجمالية في مهدها، بل يُشعل الحرائق في تاريخ الفن وأمجاده بـطيش خطاه، ويخدش حياء الذائقة العامة بأُميّة خياله التي يحاولمُداراتها خلف ثوب الرؤية النقدية الفضفاض، إنه زمن قياصرة الغفلة، ملوك الصُدفة، أباطرة الرثاثة، الذين استبدلوا صولجان الابداعبعكازنخره السوس يتوكأ عليه سدنة العمى في متاهات الفن المظلمة، لتتحول المهرجانات في ظلّ حكم هؤلاء إلى مزاد(للبالة) الفكرية، حيث تُباعالقيم بمناقصة مجحفة، فيُحجب المبدعون خلف جدران الصمت، بينما يتربّع سماسرة الوهم على دكّة الحُكم الجمالي، لتُعمّد الرثاثة حريرافنيا بقرار من سدنة الزيف، ويُغدو الحُكم المسرحي مجرد مطرقة خشبية بيد من يخلط بين بخور الهيكل وغبار البسطات، ولا يُميز بين ملكوتالخشبة وحانوت (الچنبر)، إنها خديعة التاج حين يعلو رأس المهرّج، ليغدو ضجيج الفراغ دستورا، وتصبح العفونة عطرا يسوّقه النخّاسونلجمهور أدمن العمى، هكذا يُباع الوهم على أرصفة المهرجانات، وتُغلق ستارة الفن على مشهد بطله (چنبر) يحلم بأن يكون قصرا، وحطّابلغة يظن أن صياحه هو ذروة البيان.

    وختاما إن هذا (الچنبر المسرحي) ليس سحابة صيف عابرة، بل هو صرخة زيف تُجلجل في ردهات سيرك المثاقفة، حيث يُباع سرابالعظمة فوق منضدة نخرها السوس، وإلى أن يخلع الجمال أسماله من مخالب قراصنة المنصّات، ستبقى في المشهد (دكاكين للعبث) المهجورة، تترقب بأسى من يجرؤ على إطفاء حرائق البخور التي لم تترك من ثوب الرؤى الساحرة إلا رمادا تذروه الرياح؛ ليستمر العرضالبائس؛ بطل من خشب، وقصر من كارتون، وحطّاب يظن أن حشرجة نصلفأسه هي رنين الذهب.

الوسوم: