الحان عامر
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نستخدمه في الدراسة والعمل والتواصل الاجتماعي وحفظ الذكريات والبيانات الشخصية. ومع هذا التطور المتسارع، ظهرت تحديات ومخاطر جديدة، أبرزها الجرائم الإلكترونية التي تستهدف مختلف شرائح المجتمع، ولا سيما النساء والفتيات.
ومن خلال عملي كصحفية وناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل، ومن خلال المقابلات الشخصية التي أجريتها مع عدد من الفتيات وأولياء أمور الطالبات، إلى جانب حضوري في مراكز حماية الأسرة والطفل ومشاركتي في الأنشطة والورش التوعوية التي تُقام بالتعاون مع وزارة الداخلية ومنظمات المجتمع المدني، توصلت إلى نتيجة واضحة مفادها أن كثيرًا من حالات الابتزاز الإلكتروني أو اختراق الحسابات كان يمكن تجنبها لو توفر الحد الأدنى من الوعي بالأمن الرقمي.
لقد تبين أن أولى نقاط الضعف تكمن في إهمال حماية الحسابات الشخصية، سواء باستخدام كلمات مرور ضعيفة وسهلة التخمين، أو تكرار استخدامها في أكثر من حساب، أو مشاركتها مع الآخرين، أو إهمال وسائل الحماية الإضافية التي توفرها المنصات الرقمية. هذه الممارسات، رغم بساطتها، تفتح الباب أمام مجرمي الإنترنت للوصول إلى الحسابات الشخصية واستغلالها بطرق مختلفة.
ولا يقتصر هدف المخترقين على سرقة الحسابات فحسب، بل تتنوع دوافعهم بين تحقيق مكاسب مالية، أو سرقة البيانات الشخصية، أو انتحال هوية الضحية، أو نشر محتوى مسيء باسمها، أو ممارسة الابتزاز الإلكتروني من خلال الصور أو مقاطع الفيديو أو المحادثات الخاصة. وفي كثير من الأحيان، تتعرض الضحية لضغوط نفسية واجتماعية كبيرة قد تؤثر في حياتها ومستقبلها.
إن الأمن الرقمي لم يعد مسألة تقنية تخص المختصين، بل أصبح ثقافة مجتمعية ينبغي أن يمتلكها الجميع، بدءًا من الأسرة، مرورًا بالمدرسة والجامعة، وصولًا إلى المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. فالتوعية المبكرة تمنح الفتيات القدرة على حماية أنفسهن، وتقلل من فرص وقوعهن ضحايا للمحتالين والمبتزين.
ومن هذا المنطلق، سأركز في المرحلة المقبلة على تكثيف حملات التوعية الخاصة بالنساء والفتيات، من خلال نشر الإرشادات المتعلقة بحماية الحسابات الإلكترونية، واختيار كلمات مرور قوية ومعقدة، وتفعيل المصادقة الثنائية، والحذر من الروابط والرسائل المشبوهة، وعدم مشاركة المعلومات الشخصية أو الصور الخاصة مع أي جهة غير موثوقة، إضافة إلى التعريف بطرق الإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية والجهات المختصة بتقديم الدعم والحماية.
كما أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المؤسسات، إذ ينبغي للآباء والأمهات بناء علاقة قائمة على الثقة والحوار مع أبنائهم، وتشجيعهم على الإبلاغ عن أي محاولة ابتزاز أو تهديد دون خوف أو تردد، لأن سرعة الإبلاغ تسهم في الحد من الأضرار وتساعد الجهات المختصة على ملاحقة الجناة.
إن حماية المرأة والفتاة في العصر الرقمي تبدأ بالوعي، فالوقاية خير من العلاج، والمعرفة هي السلاح الأقوى في مواجهة الجرائم الإلكترونية. وكل خطوة نتخذها لنشر ثقافة الأمن الرقمي هي خطوة نحو مجتمع أكثر أمنًا، يحفظ الخصوصية، ويصون الكرامة، ويحمي أبناءه وبناته من الاستغلال والابتزاز.
فلنجعل من الأمن الرقمي ثقافة يومية، ومن التوعية مسؤولية مشتركة، لأن حسابًا محميًا قد يحفظ مستقبلًا كاملًا، وكلمة مرور قوية قد تمنع مأساة إنسانية
الامن الرقمي / الحان عامر
بتاريخ يوليو 18, 2026 |
في اراء حرة
المشاهدات : 3
