د.عادل جعفر
استشاري الطب النفسي
في اللغة العربية، هذه الجملة لا تعني وجود حريق حقيقي.
بل تعني أن الجو شديد الحرارة.
وهنا يبدأ ما يسمّيه الطب النفسي وعلوم اللغة بـ “البراغماتية”…
أي قدرة الإنسان على فهم المعنى الاجتماعي للكلام، لا المعنى الحرفي فقط.
فاللغة عند البشر ليست قاموسًا من الكلمات فحسب.
إنها نظام معقّد من الإشارات الخفية:
نبرة الصوت،تعابير الوجه، طريقة النظر، التلميح، السخرية،المجاز،
ومعرفة ما الذي قيل… وما الذي لم يُقل أصلًا.
حين تقول الأم لطفلها:
–براحتك… سوِّ اللي تريده.
فالطفل الطبيعي لا يفهم الكلمات وحدها.
إنه يلاحظ تعابير الوجه، وطريقة الكلام، ونبرة الانزعاج، فيفهم أن الأم غاضبة رغم أنها لم تقل كلمة –غاضبة-.
أما الطفل الذي يعاني من صعوبات براغماتية، فقد يفهم الجملة حرفيًا فقط.
فيظن أن الأم منحته الحرية فعلًا، ثم يحتار لاحقًا:
“ليش عصبت؟ هي قالت براحتك!”
وهنا تظهر البراغماتية…
فالمشكلة ليست في فهم الكلمات، بل في فهم المعنى.
وحين يقول أحدهم لطفلٍ ما، بنبرة ساخرة:
–إي طبعًا…مو أنت عبقري زمانك-.
فمعظم الناس يفهمون فورًا أن المقصود قد يكون العكس تمامًا، وأن الجملة ليست مديحًا حقيقيًا بل سخرية مغلّفة بالكلمات.
أما الطفل الذي يعاني من صعوبات براغماتية، فقد يأخذ الكلام حرفيًا، ويعتقد أنها مجاملة حقيقية.
وفي العزاء أحيانًا يقول أحد الأقارب لطفل يتحرك كثيرًا:
«ما شاء الله عليك… اليوم هادئ كلش!
الجميع يفهم أن الرجل يقصد العكس تمامًا، وأنه يطلب من الطفل أن يهدأ بطريقة ساخرة ولطيفة.
أما الطفل الذي يعاني من صعوبات براغماتية، فقد يبتسم بفخر لأنه ظنّ أنها مجاملة حقيقية.
فهو فهم الكلمات…
لكنه لم يفهم ما كانت تعنيه فعلًا بين البشر، لأن الناس لا يقولون دائمًا ما يقصدونه بشكل مباشر.
عادةً، الطفل الطبيعي يبدأ بتعلّم هذه اللغة الخفية منذ لحظة ولادته.
قبل أن يفهم الكلمات، يتعلم أن الابتسامة تعني الأمان، وأن ارتفاع الصوت قد يعني الخطر، وأن ملامح الوجه تتغير حسب المشاعر.
ومع الوقت، يبدأ دماغه بفهم “قوانين المجتمع غير المكتوبة”.
يتعلم أن بعض الحقائق لا تُقال أمام الضيوف، وأن بعض المزاح قد يجرح الآخرين، وأن البشر لا يقولون دائمًا ما يقصدونه بشكل مباشر.
ومن غرائب هذا العالم أن الطفل قد يتعلم الكلام بسرعة، لكنه يبقى لا يفهم لماذا يغضب الناس عندما يقول الحقيقة بصراحة.
فمثلًا…
قد تأتي الأم بعد ساعات من الطبخ، فينظر الطفل إليها أمام الضيوف ويقول:
“ماما اليوم الأكل محترق شوية.”
هو لم يكذب، ولم يقصد الإحراج، بل قال الحقيقة كما رآها فقط.
لكن الجميع ينظر إليه بصدمة، بينما يحتار الطفل:
“شنو الغلط اللي قلته؟”
لأن الطفل ظن أن المطلوب هو الحقيقة…
بينما المجتمع كان يريد الحقيقة، لكن بطريقة ألطف، أو في وقت آخر، أو ربما ألا تُقال أصلًا.
فالطفل قد يعرف معنى الجملة، لكنه لا يعرف: متى يقولها، ولمن، وبأي نبرة.
يشبه سياسيًا صغيرًا يقول كل ما يفكر به دون أن يتعلم بعدُ فن الكذب الاجتماعي الذي يسمّيه الناس “لباقة”.
وتضعف هذه المهارات البراغماتية في عدد من الاضطرابات النفسية والنمائية، أهمها:
Autism Spectrum Disorder،
حيث يواجه الطفل صعوبة في فهم التلميحات والمشاعر والسخرية والإشارات الاجتماعية.
كما تظهر أيضًا في:
Social (Pragmatic) Communication Disorder،
وفي بعض حالات:
Attention Deficit Hyperactivity Disorder،
واضطرابات اللغة، وصعوبات التعلم، وأحيانًا عند الأطفال الذين نشؤوا في بيئات فقيرة جدًا بالتفاعل الاجتماعي.
بعض الأطفال يملكون لغة جيدة ومفردات ممتازة، لكنهم يفشلون في فهم “المسرحية الاجتماعية” التي تدور حولهم.
هؤلاء الأطفال قد يواجهون صعوبة في:
فهم المشاعر، تكوين الصداقات، تنظيم انفعالاتهم،
أو حتى معرفة متى يجب التوقف عن الكلام.
أما طفل التوحد، فهو لا يفشل في اللغة فقط، بل يفشل أحيانًا في فهم لماذا يقول الناس شيئًا ويقصدون شيئًا آخر، ولماذا يضحكون علىالمزاح، ولماذا يعتبر البشر الصراحة وقاحة حين تأتي في الوقت الخطأ.
الحقيقة أن المجتمع نفسه لعبة معقدة من الإشارات غير المكتوبة، وبعض الأطفال يدخلونها دون أن يحصلوا على كتيّب التعليمات.
ولهذا، فإن أفضل ما يمكن أن يفعله الأهل ليس الصراخ:
“ليش ما تتصرف مثل بقية الأطفال؟”
بل النزول إلى مستوى الطفل، اللعب معه، تقليده، مشاركته النظر والاهتمام، وتحويل التواصل إلى شيء ممتع وآمن…
لأن الطفل لا يتعلم اللغة من القواميس، بل من البشر.
