مشتاق الربيعي
على مدى أكثر من عقدين، خاض العراق تجربة سياسية معقّدة سعت إلى تحقيق التوازن بين مكوّناته عبر اعتماد مبدأ المحاصصة. ورغم ما حملته هذه التجربة من نوايا لتنظيم المشاركة في إدارة الدولة، إلا أن نتائجها على أرض الواقع أظهرت الحاجة إلى مراجعة جادة لآليات العمل الحكومي، بما ينسجم مع تطلعات المواطنين في تحسين الأداء والخدمات.
لقد أظهرت التجربة العملية أن نظام المحاصصة السياسية، بصيغته الحالية، لم يحقق النتائج المرجوة في تعزيز كفاءة الأداء الحكومي، الأمر الذي يستدعي التفكير الجاد في تطوير نموذج الحكم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى العمل على بناء دولة مؤسسات متكاملة، تقوم على معايير الكفاءة والخبرة، وتبتعد عن الأساليب التي لم تثبت جدواها، بما يسهم في تحقيق إدارة أكثر فاعلية وتلبية أفضل لتطلعات المواطنين.
لقد أفرزت المرحلة الماضية تحديات واضحة في كفاءة الإدارة، وأبرزت أهمية إعادة النظر في معايير اختيار القيادات، بحيث يكون التركيز أكبر على الخبرة والتخصص إلى جانب التمثيل. فالتجارب العالمية تؤكد أن نجاح الدول يرتكز على مؤسسات قوية تُدار بكفاءات قادرة على التخطيط والتنفيذ بروح مهنية عالية.
إن التوجه نحو تعزيز دور الكفاءات والتكنوقراط في إدارة مفاصل الدولة يمكن أن يشكّل خطوة إيجابية نحو تطوير الأداء الحكومي، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الإداري، بما ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطن. كما أن دعم المؤسسات الرقابية وتفعيل مبدأ المساءلة يسهمان في ترسيخ الثقة بين المواطن والدولة.
ولا يخفى أن أي مسار إصلاحي يتطلب تضافر الجهود بين مختلف القوى السياسية والمجتمعية، والعمل بروح المسؤولية الوطنية، بعيداً عن المصالح الضيقة، وبما يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار. فالإصلاح الحقيقي هو عملية تراكمية تحتاج إلى إرادة مشتركة ورؤية واضحة للمستقبل.
إن العراق يمتلك إمكانيات بشرية ومادية كبيرة، تؤهله لتحقيق نقلة نوعية في مختلف المجالات، متى ما توفرت الإدارة الرشيدة التي تحسن استثمار هذه الموارد. ومن هنا، فإن تطوير نموذج الحكم ليكون أكثر اعتماداً على الكفاءة والخبرة يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء دولة مؤسسات قوية ومستقرة.
وفي الختام، يبقى الأمل معقوداً على المضي قدماً في مسارات الإصلاح، بما يعزز الاستقرار ويحقق التنمية، ويستجيب لتطلعات أبناء هذا الوطن. فالعراق، بكل تأكيد، يستحق الأفضل.
