أ. د ساجد الشرقي / البصرة
لم يكن تصريح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الرافض للاشتراكية بوصفها عقيدة لا تحقق التنمية ولا العدالة الاجتماعية مجرد رأي اقتصادي عابر ، بل كان انعكاسا لبنية فكرية وسياسية تشكلت داخل بيئة الرئيس نفسه التي تؤمن بمنطق السوق والتجارة والاستثمار الخاص بوصفه الطريق الوحيد للنهوض.. فالرجل جاء من واقع اداري ومالي يرى الاقتصاد بعين الشركات والمقاولات وحركة الاستثمار، لا بعين الدولة الاجتماعية التي تنظر الى المجتمع بوصفه وحدة متكاملة لا مجرد سوق استهلاكية او تنافسية.
غير ان التجربة التاريخية للاقتصاد الراسمالي تكشف ان الحرية المطلقة للسوق لا تعني العدالة، بل غالبا ما تعني تعاظم الفوارق الطبقية، اذ ان الراسمالية بطبيعتها تميل الى تركيز الثروة بيد الاقوى ماليا، بحيث يزداد الغني غنى بينما يتسع هامش الفقر والتهميش، وهذا ليس تنظيرا ايديولوجيا بقدر ما هو وصف لبنية النظام الراسمالي نفسه، حيث تتحول الدولة تدريجيا من راع للمجتمع الى حارس لمصالح راس المال.
وعندما تقود السياسة الاقتصادية القرار السياسي تصبح الدولة اسيرة رجال المال والشركات الكبرى، فتتراجع العدالة الاجتماعية لحساب الربح والمنفعة الخاصة.
لقد عانى العراق بعد عام 2003 من هذا الخلل بصورة واضحة، اذ جرى تفكيك القطاع العام وفتح السوق بلا ضوابط، وتحولت الدولة الى وسيط ريعي يعتمد على النفط والاستيراد، بينما تراجعت الصناعة والزراعة والخدمات الانتاجية.
وفي ظل هذا الانفتاح غير المنظم ظهرت طبقة طفيلية راكمت الثروات عبر الفساد والعقود والاحتكار، مقابل اتساع البطالة والفقر وضعف الخدمات. وهكذا لم ينتج الاقتصاد الحر في العراق تنمية حقيقية، بل العكس، فهو عمق التبعية وربط البلاد بالسوق الخارجية.
في المقابل، فان جوهر الفكرة الاشتراكية لا يقوم على مصادرة الحريات كما يروج خصومها، انما على اشراك المجتمع في الثروة والارباح ومنع احتكار الموارد بيد قلة.
فالاقتصاد الاشتراكي يمنح الدولة دورا تخطيطيا في توجيه التنمية وتوزيع الثروة وفق حاجات المجتمع، لا وفق مصالح السوق وحدها. والدولة هنا لا تكون تاجرا، بل ضامنا للتوازن الاجتماعي وحاميا للطبقات الضعيفة ومشرفا على ادارة الموارد الاستراتيجية بما يخدم الجميع.
ولعل المفارقة الكبرى ان حتى الدول الراسمالية نفسها لم تستطع الاستغناء عن كثير من السلوك الاشتراكي ، فالدعم الحكومي والرعاية الصحية والتعليم المجاني والضرائب التصاعدية والتامينات الاجتماعية كلها اجراءات ذات جذور اشتراكية، فرضتها الحاجة الى حماية المجتمع من وحشية السوق المطلقة “بمعنى ان الراسمالية ذاتها اضطرت الى الاقتراض من الفكر الاشتراكي كي تحافظ على استقرارها الداخلي” .
اما على المستوى الدولي، فان جشع الراسمالية الاميركية وتحالف السلطة مع راس المال المالي العملاق هو الذي منح الولايات المتحدة نزعتها الامبريالية وهيمنتها على العالم، فحين تتحول الشركات العابرة للقارات والمصارف الكبرى الى محرك للسياسة الخارجية يصبح التدخل العسكري والضغط الاقتصادي والعقوبات جزءا من حماية مصالح راس المال العالمي ” كما هو الحال الراهن”.
ولهذا لم تكن الهيمنة الاميركية مجرد مشروع سياسي، بل نتيجة طبيعية لتضخم سلطة المال داخل النظام الراسمالي نفسه.
ومن هنا تبدو الحاجة العراقية اليوم ليست الى تبني اشتراكية جامدة او راسمالية منفلتة، بل الى صيغة توازن وطني تجمع بين قطاع عام قوي وقطاع خاص منتج.
فالدولة التي تترك كل شيء للسوق تفقد استقلالها الاجتماعي والسياسي، بينما الدولة التي تخنق المبادرة الفردية تفقد الحيوية الاقتصادية. ولهذا فان النموذج الاقرب للنجاح هو النموذج الذي يجعل الدولة ممسكة بالقطاعات الاستراتيجية والثروات الكبرى، مع فتح المجال للقطاع الخاص في اطار وطني منظم.
وتجربة الصين تقدم مثالا مهما في هذا المجال. فالصين لم تنجح لانها تخلت عن الاشتراكية، بل لانها اعادت توظيفها بمرونة، فحافظت الدولة على التخطيط والسيطرة على الموارد الكبرى مع السماح للسوق بالعمل تحت سقف المصلحة الوطنية. ولذلك تحولت الى قوة عالمية مستقلة القرار. بينما بقيت اليابان رغم تطورها الصناعي مرتبطة بالمظلة الاميركية سياسيا وعسكريا، لان نهضتها تمت ضمن النظام الراسمالي الغربي وشروطه الاستراتيجية.
ان ازمة العراق ليست ازمة اشتراكية او راسمالية فقط، بل ازمة غياب رؤية وطنية اقتصادية مستقلة ، فالاقتصاد العراقي اليوم مستهلك اكثر منه منتج، والدولة فقدت قدرتها على التخطيط طويل الامد بسبب المحاصصة والفساد والتبعية، ولهذا فان اي حديث عن التنمية لا يمكن ان ينجح ما لم يعد بناء القطاع العام الانتاجي، وتحقيق سيادة اقتصادية حقيقية، ومنع تحول الدولة الى مجرد شركة كبيرة تديرها المصالح التجارية والسياسية الضيقة ” كما ذهب الرئيس!”..
وربما كان الاجدر برئيس الوزراء ان ينظر الى الاشتراكية لا بوصفها خصما ايديولوجيا، بل بوصفها مدرسة فكرية ساهمت في ترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية وحماية الفقراء وتنظيم علاقة الدولة بالسوق. فالدول لا تبنى بالشعارات الاقتصادية المطلقة، بل بالتوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار والكرامة الوطنية، وبين السوق وحق المجتمع في الثروة والسيادة.
