منصة ثقافية أدبية

الغدير وإجراءات العدالة الجنائية في العراق/ د يوسف حرز الدين


بتاريخ يونيو 10, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


د. يوسف حرز الدين
يمثل يوم الغدير محطة مفصلية في التاريخ الإسلامي، فهو مناسبة لاستذكار منظومة متكاملة ، تجسدت في شخصية أمير المؤمنين (ع) الذي عُرف بالعدل والحكمة والنزاهة والالتزام الصارم بالحق، حتى أصبحت سيرته مرجعاً في الحكم والقضاء وإدارة الدولة.
وسنسلط الضوء على القانون الجنائي الذي يعد من أكثر القوانين التصاقاً بحقوق الإنسان وحرياته. ومن هنا يمكن أن تشكل ذكرى يوم الغدير فرصة للتأمل في بعض المشكلات التي ما زالت تواجه العدالة الجنائية في العراق، ومعالجات مستوحاة من المبادئ التي جسدها الإمام علي (ع).
حسم الدعاوى الجزائية
إن أولى هذه المشكلات حسم الدعاوى و التأخير في إجراءات التحقيق والمحاكمة، وهذا قد يؤدي إلى الإضرار بالمتهم والمجني عليه على حد سواء، ويؤثر في ثقة المجتمع بالمؤسسات القضائية. وقد كان امير المؤمنين (ع) يؤكد ضرورة إنجاز الحقوق وعدم التسويف فيها، لأن العدالة المتأخرة قد تفقد كثيراً من قيمتها.

جرائم الفساد
الفساد لا يقتصر أثره على هدر المال العام، بل يمتد ليقوض الثقة بالمؤسسات ويضعف هيبة القانون. وقد عُرف امير المؤمنين (عليه السلام) بشدته في حماية المال العام ومحاسبة المسؤولين الذين يسيئون استخدام السلطة، حتى إنه لم يكن يفرق بين قريب أو بعيد في تطبيق معايير النزاهة. ومن الأمثلة على ذلك رسالته الى عامله على البصرة عثمان بن حنيف التي جاء فيها: (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به), ورسالته الى عامله على أذربيجان الأشعث بن قيس التي جاء فيها: (وإن عملك ليس بطعمة, ولكنه في عنقك أمانة), وتكشف هذه الرسائل عن مبادئ متقدمة في الإدارة العامة, منها: تشديد العقوبة على جرائم الاختلاس وخيانة الأمانة, وضرورة النزاهة والابتعاد عن مواطن الشبهة, المساواة في حماية المال العام بغض النظر عن مكانة الجاني, ومن هذا المنطلق فإن مكافحة الفساد تتطلب تشريعات أكثر فاعلية، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية، وتوفير الحماية القانونية للمبلغين والشهود، بما يسهم في كشف الجرائم وملاحقة مرتكبيها.
وتبرز كذلك مشكلة التوازن بين حماية المجتمع وضمان حقوق المتهم. فالقانون الجنائي الحديث يقوم على مبدأ افتراض البراءة، وهو مبدأ ينسجم مع روح العدالة التي دعا إليها الامام علي . إذ لا يجوز التضحية بحقوق الأفراد بحجة مكافحة الجريمة، كما لا يجوز أن تكون الضمانات القانونية سبباً في إفلات المجرمين من العقاب. ولذلك فإن تحقيق التوازن بين هذين الاعتبارين يعد من أهم التحديات التي تواجه التشريع الجنائي العراقي.
ومن القضايا الجديرة بالاهتمام أيضاً ظاهرة العود إلى الجريمة. فالكثير من النظم العقابية تركز على العقوبة أكثر من تركيزها على الإصلاح وإعادة التأهيل. بينما تكشف التجارب الحديثة أن الحد من الجريمة لا يتحقق بالعقوبة وحدها، بل يتطلب برامج إصلاحية وتعليمية ومهنية تساعد المحكوم عليهم على الاندماج في المجتمع بعد انتهاء مدة محكوميتهم. وهذا التوجه ينسجم مع فلسفة العدالة التي تقوم على إصلاح الإنسان قبل معاقبته.
كما أن الجرائم الإلكترونية أصبحت من أبرز التحديات الجنائية المعاصرة في العراق. فالتطور التكنولوجي أوجد أنماطاً جديدة من الجرائم لم تكن معروفة عند وضع كثير من النصوص التشريعية النافذة. ولذلك بات من الضروري تطوير المنظومة القانونية والإجرائية بما يتلاءم مع طبيعة هذه الجرائم، مع ضمان عدم المساس بالحقوق والحريات المكفولة دستورياً.
وفي مجال السياسة الجنائية، يلاحظ وجود حاجة متزايدة إلى التوسع في بدائل العقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم البسيطة. فالاكتظاظ في المؤسسات الإصلاحية يمثل مشكلة حقيقية تؤثر في فرص التأهيل والإصلاح. ويمكن أن تسهم بدائل مثل الخدمة للمصلحة العامة أو المراقبة القضائية أو البرامج الإصلاحية الخاصة في تحقيق أهداف العقوبة بكفاءة أكبر في بعض الحالات.
إن استذكار يوم الغدير لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الاحتفالي أو التاريخي، بل يجب أن يكون مناسبة لاستحضار القيم التي حملها هذا اليوم العظيم، وفي مقدمتها العدالة والمساواة وسيادة الحق. فأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقدم أنموذجاً للحاكم العادل فحسب، بل قدم أيضاً أنموذجاً للقاضي الذي لا يحابي أحداً، وللمسؤول الذي يجعل القانون فوق المصالح الشخصية والفئوية.
وفي الختام، فإن بناء منظومة جنائية أكثر عدالة وفاعلية في العراق يتطلب الاستفادة من التجارب القانونية الحديثة، مع استلهام القيم الأخلاقية التي جسدها أمير المؤمنين (عليه السلام). فمبادئ العدالة والنزاهة واحترام الكرامة الإنسانية ليست مجرد شعارات تاريخية، بل أسس ضرورية لأي مشروع إصلاحي.

الوسوم: