منصة ثقافية أدبية

(( تحت أفياء شفقة العامل ..)) – تحيّة الى العمّال في عيدهم –


بتاريخ مايو 6, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 3


مواويل جنوبية

# عبدالسادة البصري

الحدائق والمتنزهات نوافذ مشرعة للراحة والاستجمام، وقضاء لحظات بين أحضان الطبيعة البهيّة، تجدها في كل مدن العالم، كما تجد الحكومات في كل البلدان تسعى إلى إنشاء حدائق عامة يؤمّها الناس في أوقات فراغهم ليستنشقوا هواءً عذباً بعيداً عن حيطان مؤسسات العمل والبيوت ما لها وما عليها، ويقضوا سويعات مع الأهل والأحباب في أحاديث ممتعة !!
في المعقل ( احدى مناطق البصرة في جنوب الوطن المبتلى بالطغاة والفاسدين ) كانت حدائق ومتنزّهات كثيرة أنشئت هنا وهناك ( جزيرة السندباد، شفقة العامل، مدينة الألعاب، الأندلس ..الخ ) كلّها كانت متنفّساً لأبناء البصرة يجيئون إليها في أيام الجمعة والعطل والمناسبات واقامة السفرات الترفيهية!!
شفقة العامل كانت متنفّساً لساكني المعقل منذ إنشائها في أوائل ستينات القرن المنصرم حين كانت الحركة العمرانية في كل أرجاء المعقل والتي تقوم بها مؤسسة الموانئ العراقية آنذاك !!
بُنيت على طراز المعمار الصيني لتشكّل أربع قبّعات لأربعة عمّال، هذا ما تقوله الحكاية عند زيارة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم للبصرة ووقوفه في نفس المكان الذي بنيت فيه، إذ يقول كبار السن ممّن شهد الزيارة وعاصرها أن الزعيم حينما وصل إلى المعقل وبعدما رفع الناس المتجمهرين لاستقباله سيارته عالياً ليكون الزعيم الوحيد في العالم أجمع الذي يرفع الناس سيارته بأيديهم عالياً مرحّبين به وسعداء بوجوده بينهم من فرط محبّتهم الحقيقية له، وحال حديثه عن إنشاء حديقة ليؤمّها ساكنو الحي شاهد أربعة عمال لابسين القبّعات فقال أريد بناية تمثّل قبّعات أعمامي العمّال الأربعة هؤلاء، وعليه بنيت البناية بطوابقها المتدرّجة إلى الأعلى بشكل رباعي هرمي على غرار الدور الصينية، وتم تخطيط المكان ليكون حديقة ومتنزّهاً جميلاً تفوح منه روائح ورد الجوري فتصبح معلماً من معالم المعقل بشكل خاص والبصرة بشكل عام !!
في سبعينات وأوائل ثمانينات القرن المنصرم كان الطلبة يقضون جلّ أوقاتهم للدراسة والمطالعة بين أفياء شجيراتها وعلى تخت مصاطبها، يرتشفون الشاي من أيدي عامل الكازينو الذي يدور بصينيته بين الكراسي وفي أرجاء الحديقة، كما كانت تقام فيها احتفالات وسفرات وجلسات سمر تتخللها المسابقات والموسيقى والأغاني الجميلة، إضافة إلى اتّخاذها مخيّماً كشفياً لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية في مناسبات الكشّافة !!
للأسف الشديد سعت إليها يد الخراب شيئاً فشيئاً منذ عام 1991 لتؤول إلى زوال وتصبح بيوت تجاوز ( حواسم ) بعد عام 2003، فتتحول الحديقة الوارفة الظلال بشكل عام إلى بيوتات من الصفيح وما إلى ذلك ويظل هيكل البناية ( شفقة العامل ) شاهداً على زمان انتعش فيه هذا المكان ثم تحوّل إلى أنقاض وخرائب تذرف العيون دموعها كلّما مررنا بالقرب منها، أو تذكّرنا لحظات عشناها بين أفيائها الوادعة الجميلة !!
اليوم ومع حملة الترقيعات التي يقال انها عمرانية التي نشاهدها هنا وهناك، حيث العمران الحقيقي لن يكون حدائقاً وحشاىش ونافورات فقط، بل تشييد كامل وعمراني حقيقي يبدأ في البنى التحتية والخدمات والطرق الحديثة والارصفة الجميلة والمجمّعات السكنية ليس الاستثنارية بل للفقراء واصحاب الدخل المحدود من الموظفين والعمال والكسبة وساكني العشوائيات أولاً!!
وحال البدء بعمرانٍ حقيقي، أنا على يقين تام ساعتها أن هذا المَعْلَم الجميل – شفقة العامل – سيعود يشعّ بلونه الأزرق المتباهي بين الألوان ليبعث السكينة والفرح في نفوس الناس جميعاً، وستعود حديقة شفقة العامل زاهية بورودها وزقزقة عصافيرها وهديل الحمام وتعود ازياء ابنائنا الطلبة والكشّافة تملأ المكان جمالاً ورؤيا لمستقبل جميل !!

ر

الوسوم: