منصة ثقافية أدبية

باراك والمهمة الصعبة في بغداد / فاروق الرماحي


بتاريخ يونيو 10, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 109


فاروق الرماحي

في لحظة واحدة، ومن دون ضجيج كبير، عاد اسم المبعوث الأميركي إلى الواجهة في العراق. لكن هذه المرة ليس عبر دبلوماسي تقليدي، بل عبر رجل أعمال مقرّب من الرئيس الأميركي، يتحرك بين بغداد ودمشق وأنقرة في الوقت نفسه. ما يبدو تعييناً إدارياً عادياً يخفي في داخله سؤالاً أكبر هل تغيّر واشنطن طريقة إدارتها للعراق، أم أنها تعيد توزيع أدواتها القديمة بصيغة جديدة؟
تعيين توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً للعراق يحمل دلالة تتجاوز المنصب نفسه. فالرجل لا يمثل وزارة الخارجية الأميركية بالمعنى التقليدي، بل يمثل الرئيس دونالد ترامب مباشرة. وهذا الفارق مهم في إدارة ترامب التي تميل إلى تجاوز البيروقراطية والاعتماد على شخصيات تحظى بثقة الرئيس الشخصية أكثر من اعتمادها على المؤسسات التقليدية.
‎باراك ليس دبلوماسياً محترفاً، بل رجل أعمال يعرف كيف تُدار الصفقات وكيف تُبنى العلاقات الشخصية. كما أنه لا يتحرك في العراق وحده، بل يتولى ملفات تتداخل فيها سوريا وتركيا وإيران. وهذا يكشف أن واشنطن لم تعد تنظر إلى العراق كملف مستقل، بل كجزء من إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في المنطقة.
‎في هذا السياق، يبدو أن الملف الأكثر إلحاحاً هو مستقبل الفصائل المسلحة وعلاقة السلاح بالدولة. فالإدارة الأميركية تدرك أن الحديث عن الاستقرار أو الاستثمار أو التنمية يبقى محدود الأثر ما لم تكن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر القوة. لذلك لا يبدو مستغرباً أن يتصدر ملف دمج الفصائل أو تنظيم علاقتها بالمؤسسات الرسمية أولويات المرحلة المقبلة.
‎لكن هذه المهمة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. فالفصائل ليست مجرد تشكيلات مسلحة، بل جزء من شبكة سياسية واقتصادية وأمنية تشكلت خلال أكثر من عقدين. وبعضها أعلن صراحة رفضه التخلي عن سلاحه أو إعادة تعريف دوره وفق الرؤية التي تطرحها الدولة أو القوى الدولية. لذلك فإن أي محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة العراقية على فرض رؤيتها، وقدرة الأطراف الأخرى على التكيف مع واقع جديد.
‎ومع ذلك، فإن اختزال أزمة العراق في ملف السلاح وحده سيكون خطأ لا يقل خطورة عن تجاهله. فالعراق لا يعاني من أزمة أمنية فقط، بل من أزمة دولة. فالفساد الذي تغلغل في مؤسسات الحكم، وضعف الإدارة، وتضارب المصالح السياسية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع أكثر من كونها مرجعية للجميع.
‎لهذا فإن نجاح أي مشروع لحصر السلاح بيد الدولة، على أهميته، لن يكون نهاية الطريق. فالدولة التي تنجح في جمع السلاح لكنها تعجز عن محاسبة الفاسدين أو توفير العدالة أو بناء اقتصاد منتج، ستبقى تواجه أزمات مختلفة بأدوات مختلفة.
‎قد ينجح توم باراك في تقريب وجهات النظر، وقد ينجح في دفع بعض الملفات المعقدة نحو حلول لم تتمكن الإدارات السابقة من تحقيقها، خصوصاً أنه يتمتع بثقة مباشرة من الرئيس الأميركي. لكن نجاح المبعوث الأميركي، أيّاً كان اسمه، لن يكون بديلاً عن نجاح الدولة العراقية نفسها.
فالمبعوثون يأتون ويغادرون، والإدارات الأميركية تتغير، وحتى التوازنات الإقليمية لا تبقى ثابتة. أما جوهر الأزمة العراقية فيبقى أعمق من ملف السلاح أو تبدّل الوسطاء الدوليين ، إن عجز الدولة عن ترسيخ سلطة مؤسساتها فوق المصالح المتنافسة وبناء عقد سياسي يضع المواطنة فوق مراكز النفوذ. وعندما ينجح العراق في حسم هذه المعضلة، يصبح حصر السلاح نتيجة طبيعية لقوة الدولة، لا الهدف الأخير لمسار إنقاذها.

الوسوم: