منصة ثقافية أدبية

تعليق عمل صحفي أوروبي بعد استخدامه الذكاء الاصطناعي


بتاريخ أبريل 1, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 5


 

مـحـمـد الكـلابــي

تواجه الصحافة اليوم زحفاً صامتاً للمتخيل على الواقع، حيث أصبحت الجملة الرصينة تخترع الحدث عوضاً عن نقله. في أحدث فصول هذا الارتباك، أُوقِف صحفي أوروبي بارز عن العمل إثر نشره اقتباسات نُسبت إلى خبراء، وهي في الحقيقة وليدة خيال رقمي محض. كشف التحقيق الذي أجرته صحيفة «إن آر سي» الهولندية أن بيتر فاندرميرش، المسؤول السابق في دار النشر «ميدياهاوس»، أدرج عشرات الأقوال غير الموثقة في مقالاته، وهي كلمات غابت عن كل المصادر المرجعية، من الدراسات العلمية إلى الأرشيف الصحفي، كما أن أصحابها المزعومين أكدوا أنهم لم ينطقوا بها قط.

​تعليق عمل فاندرميرش جاء صدمة اعترف بها في مدونته الشخصية، مبرراً ما حدث باعتماده على أدوات الذكاء الاصطناعي لتلخيص التقارير الطويلة، وافترض أن النتائج دقيقة، ولم يتوقع أن هذه الأنظمة تحيك اقتباسات كاملة وتنسبها إلى بشر حقيقيين.
الكذبة هنا أنيقة لدرجة أنها تُقنع صاحبها قبل القارئ، وتكشف تحولاً في طبيعة الخطأ المهني؛ فالاقتباس يمنح المادة ثقلها لأنه يربطها بصوت حقيقي، وحين يختفي هذا الصوت، ينهار البناء كله مهما بدا متماسكاً من الخارج.

​هذا التآكل في صلب الممارسة المهنية يفتح باباً على تحول أعمق في علاقة النص بالوجود؛ ففي البناء التقليدي للمعرفة، كانت الجملة تأتي بوصفها أثراً متأخراً لحدث وقع فعلاً، تصريحاً قيل أو تجربة عُيشت.
أما اليوم، فالبنية اللغوية تظهر أولاً بصيغة مكتملة ومقنعة، ويتحول الاقتباس إلى حجر زاوية تُبنى فوقه الحقيقة؛ فالنص يسبق الواقع ويمنحه شرعية الوجود.

يجسد ذلك رؤية «بودريار» حول عالم تتقدم فيه النماذج على الحقائق، حيث تتجاوز هذه الأنظمة دور المرآة العاكسة لتصبح هي المحرك الذي يعيد تشكيل الواقع وفق منطق لغوي صارم. تنتج هذه الأدوات «واقعاً فائقاً» يتفوق بجماله وتماسكه على الحقيقة الأصلية؛ فالخبير البشري يتردد، يتلعثم، ويخون لغته أحياناً، بينما يأتي الاقتباس المصنوع نظيفاً، بليغاً، وجاهزاً للنشر بوقار زائف.

​نحن بصدد تحول خفي يغيّر موازين القوة بين الخبر وصياغته، حيث يصبح الواقع نفسه متهماً بالتقصير إذا غابت عنه جودة النموذج اللغوي الذي تقترحه الخوارزمية. ومع استمرار هذا النمط، يمتد الأثر ليعيد تعريف ما يُعتبر «كلاماً مقبولاً» في المجال العام، فتتحول الصحافة تدريجياً إلى هندسة لغوية مسبقة، تكتب ما ينبغي أن يُقال لإرضاء ذائقة التلقي، لا ما قيل فعلاً في غرف مغلقة أو ميادين العمل. هذا «النقاء الرقمي» يمارس نوعاً من الإقصاء لكل ما هو بشري وناقص وغير مكتمل، ويستبدله بحقيقة مصنّعة تتسم بالكمال البارد، مما يهدد موقع الحقيقة ذاتها ويحولها من واقعة تُكتشف بجهد، إلى صيغة تُنتج بضغطة زر.

​الأخطر في هذا المسار هو استلاب الذاكرة الجمعية؛ فحين تعتمد المجتمعات على نصوص «مثالية» لم تحدث، فإنها تبني وعيها على سراب لغوي شديد الإحكام، يجعل الرجوع إلى الحقيقة الباهتة والمتلعثمة نوعاً من الارتداد نحو الفوضى. هذا الانقراض المتسارع للصدفة والعفوية في الكتابة يؤسس لمرحلة «الخبر المستجيب للرغبة»، حيث يتم تعديل تفاصيل الواقع لغوياً لتناسب انسيابية التقرير الصحفي، وتصبح البلاغة هي صك الغفران الذي يمنح الجملة شرعيتها حتى لو ولدت في رحم العدم الرقمي.

​ومع ذلك، يواجه هذا التزييف جداراً تقنياً مضاداً، حيث أصبحت أدوات الفحص الحديثة قادرة على كشف التلاعب بدقة متناهية، وتستطيع فضح وجود التدخل الآلي حتى لو اقتصر على سطر واحد داخل مقال طويل. التقنية التي تصنع الوهم تملك اليوم مفاتيح كشفه، ما يعيد الاعتبار لشرط التحقق المسبق قبل النشر.

سقط فاندرميرش وسقطت معه الطمأنينة في الكلمة المكتوبة؛ لنقف جميعاً أمام معضلة كبرى: إذا كان السراب يؤدي وظيفة الماء بالدقة نفسها، فمن سيجرؤ على البحث عن البئر؟

الوسوم: