منصة ثقافية أدبية

يا للأزمات غير المنتهية !! / عبد السادة البصري


بتاريخ يونيو 10, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


مواويل جنوبية

عبدالسادة البصري

 

أزمةٌ إثر أخرى ، وكأننا أصبنا بمرض الأزمات المزمن الى الأبد ، فمنذ أن فتحنا عيوننا على الحياة ، والأزمات تلاحقنا ، وأثقلها على النفوس أزمة السكن اللائق ، حيث أنها ما انفكت ملازمة لشريحة كبيرة من العراقيين ، وأنا واحد منهم حيث تلازمني وماتزال منذ أن هجرنا البيت الأول قسراً اثر الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم. البيت الذي شهد ولادتي وطفولتي وصباي وبواكير شبابي ، تركناه هاربين من جحيم الحرب ، فهدّمته القنابل والصواريخ حتى أضحى أرضاً قفراً !
بعد أن كبرتُ وتزوجتُ حلمتُ ببيت يؤويني وعائلتي الصغيرة التي أخذت تكبر شيئا فشيئا. سكنتُ في مخزن ، بعد ذلك في قاعة سقفها من الصفيح لا يقيني البرد والحر،، ولكن هي أزمة عليّ أن أتحملها مرغماً !
بعد سقوط النظام المقبور في عام 2003 قلت في قرارة نفسي:- الآن ستُحَلّ أزمتك يا ولد !
لكنها تفاقمت شيئا فشيئا وكأنني رضعت الأزمات من ثدي الزمن المُر. بدأت رحلتي مع الإيجارات والتنقّل بين هذا البيت وذاك ، صرت من هواة جمع الجيران ،في كل مرة أتعرف على جيران يحبّونني وأحبهم ، أتبادل معهم الطيبة البصريّة المعجونة بخجلنا الأزلي ، ثم أرحل عنهم إلى شارع آخر وجيران جدد ، والإيجار يعلو يوما بعد آخر حتى صار همّي الأول والكبير، الذي بات يؤرقني في كل لحظة ، وتحديدا عند اقتراب موعد الدفع ! ،
وهذه ليست أزمتي وحدي ، بل أزمة الآلاف من أبناء العراق الذين تؤرقهم مواعيد دفع الإيجارات ، وكأنها ضريبة دائمة أو مرض مزمن !
هناك مَنْ سكن في بيوت من صفيحٍ ومتهرئة وغيرها ، وآخرون سكنوا تجاوزاً هنا وهناك والذين أطلق عليهم حواسم أو عشوائيات ، وحالياً صرت واحداً منهم أيضاً . وقد تفاقمت الأزمة هذه ودخل الكثير من ساكنيها في صراعات مع تقلبّات الطقس والأمطار وسوء الخدمات والكهرباء والمجاري !
أزمة السكن هذه لم تستطع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 وليوم الناس هذا أن تحلّها ، وتخلّص الناس من الإيجارات ،، ولا فكّرت الدولة – اقصد المسؤولين فيها – بالمتأزّمين الذي يعانون من مواعيد دفعها أمثالي !
الغريب في الأمر أنّ كل مسؤول حينما يستلم زمام السلطة وقبل أن يجلس على الكرسي نسمع منه تصريحات نارية لا أول لها ولا آخر، ومواعيد بحلّ هذه الأزمة باعتبارها من أولويات أعماله ومنجزاته،، لكن ما أن يدور به الكرسي ويأخذ لحظة استرخاء حتى ينسى التصريحات ، بمالها وما عليها ، ويرمي كل الوعود في شطّ العرب لتمتزج بالماء المالح والآسن وتدخل صنابير البيوت أمراضاً وأزمات أخرى !
والأكثر غرابة حلمنا الدائم في بيت يؤوينا لا تداهمنا فيه الهواجس ولحظات القلق عندما يقترب موعد الدفع وأنت لم تهيئ مبلغ الإيجار !
علينا أن نفكّر جدياً بحل هذه الأزمة المستديمة ، كي يتفرغ العراقي للبناء والإبداع في مجالات الصناعة والزراعة وفي الأدب والفن والرياضة ، لا أن نتركه حائرا ودائخا بالسكن والإيجار وبيوت الصفيح والعشوائيات والركض هنا وهناك وراء لقمة العيش ، وهو يعيش على بحيرة من نفط في بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم بثرواته الطبيعية للأسف، ونظلّ سادرين في صراعات ومماحكات وفساد لن ينتهي !

الوسوم: