د . عمر حميد
في الوقت الذي ينتظر فيه المواطن تحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية ومعالجة المشكلات اليومية، يلاحظ الكثيرون أن بعض المسؤولين يركزون على المظاهر والبروتوكولات الرسمية أكثر من تركيزهم على الإنجاز والعمل الميداني، فالمواكب الكبيرة والسيارات الكثيرة والإجراءات المبالغ فيها لا تُعد مؤشراً على نجاح المسؤول، بل إن المعيار الحقيقي هو ما يقدمه من خدمات وما يحققه من نتائج ملموسة للمواطنين.
ومما لا شك فيه أن هذه المواكب الضخمة ترسخ لدى المواطنين صورة سلبية عن الفجوة بين المسؤول والشارع الذي يفترض أن يكون قريبا منه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسة واضحة لترشيد استخدام المركبات الحكومية، من خلال تحديد سقوف لأعداد سيارات المواكب بما يحقق التوازن بين المتطلبات الأمنية والواجب الوطني في الحفاظ على المال العام،ويمكن أن يشمل ذلك ألا يزيد عدد سيارات مواكب الرئاسات والسلطات العليا على أربع سيارات، وأعضاء مجلس النواب على ثلاث سيارات، فيما تقتصر مواكب المحافظين وأعضاء الحكومات المحلية على سيارتين فقط.
ولا تقتصر فوائد هذا الإجراء على الجانب المالي، بل تحمل أبعادا معنوية مهمة، إذ تعكس التزام المسؤول بمبدأ الخدمة العامة وتؤكد أن قيمة المسؤول تقاس بما يقدمه من إنجازات للمواطنين، لا بحجم الموكب الذي يرافقه. كما أن الأموال التي يمكن توفيرها من هذه الإجراءات قد تسهم في دعم قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنى التحتية والخدمات البلدية.
ولإنجاح هذا التوجه، ينبغي أن ترافقه إجراءات عملية تشمل مراجعة أعداد الحمايات والمركبات الحكومية، وإعادة توزيع الفائض منها على المؤسسات المحتاجة، وتفعيل الرقابة على استخدام السيارات الرسمية، إضافة إلى نشر تقارير دورية توضح حجم الوفورات المالية المتحققة.
إن بناء دولة المؤسسات يبدأ من احترام المال العام وتوجيهه نحو ما يخدم المواطن بصورة مباشرة.
وتقليص مواكب المسؤولين ليس مجرد إجراء إداري أو مالي، بل رسالة مهمة تؤكد أن المسؤولية تكليف لخدمة الشعب، وليست وسيلة لإظهار النفوذ أو التمتع بمظاهر الترف. وفي ظل الظروف الراهنة، قد تكون مثل هذه الخطوات البسيطة بداية حقيقية لترسيخ ثقافة الترشيد وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
