د . عمر حميد الجنابي
مما لا شك فيه أن السياسة لا يبقى فيها شيء ثابتاً طويلاً، ففي كل فترة يبرز اسم جديد، ويتجدد الحديث عن جيل مختلف قد يغيّر المعادلة ويعيد رسم التوازنات.
ومع ترقب طال انتظاره، يتكرر هذا الحديث اليوم مع علي الزيدي، الذي يُقدم بوصفه وجهاً شاباً قد يخطف الأضواء من شخصيات سياسية راسخة مثل محمد الحلبوسي.
وإذا ما نظرنا إلى عامل العمر بشكل رقمي، نجد أن محمد الحلبوسي، المولود عام 1981، يقف اليوم في منتصف الأربعينات من عمره، بينما يُصنف علي الزيدي ضمن جيل أصغر بفارق يُقدَّر بعدة سنوات. ورغم أن هذا الفارق ليس كبيراً بالمعايير السياسية، إلا أنه يُطرح إعلامياً كدلالة على صراع بين جيلين أكثر من كونه عاملاً حاسماً في صناعة القرار.
ولا يختلف اثنان على أن فكرة “الأصغر سناً مغرية إعلامياً؛ فهي توحي بالتجديد والحيوي وربما الجرأة، لكن الواقع في العراق غالباً ما يكون أكثر تعقيداً، فالعمر وحده لا يصنع حضوراً سياسياً، ولا يكفي لبناء زعامة.
الحلبوسي نفسه لم يصل بسهولة، صحيح أن صعوده كان سريعاً، لكنه استند إلى شبكة علاقات واسعة، وقدرة على التحرك داخل توازنات معقدة. استطاع أن يثبت نفسه كلاعب يعرف كيف يدير الملفات الصعبة، ويحافظ على حضوره في لحظات التوتر، لذلك ما زال اسمه ثقيلاً في المعادلة حتى بعد خروجه من موقعه الرسمي.
أما الزيدي، وهو الأصغر سناً، فيقف اليوم أمام اختبار حقيقي، كونه جديداً نسبياً يمنحه فرصة، لكنه في الوقت ذاته يضعه تحت مجهر قاسٍ.
فالناس لم تعد تنبهر بالشعارات أو الوجوه الجديدة بقدر ما تبحث عن نتائج حقيقية: خدمات، استقرار، وحلول ملموسة. وهذا هو التحدي الأكبر.
قد ينجح الزيدي في جذب الانتباه وتحقيق حضور إعلامي سريع، لكن خطف الأضواء شيء، وترسيخ موقع سياسي شيء آخر تماما، فالأضواء تأتي بسرعة، لكنها تختفي بالسرعة نفسها إذا لم يسندها إنجاز حقيقي.
برأيي الشخصي ، المقارنة بين الاثنين فيها شيء من التبسيط. نحن أمام نموذجين مختلفين: أحدهما يمثل خبرة تراكمت عبر السنوات، والآخر يمثل فرصة لبداية جديدة.
والسؤال الحقيقي ليس من الأصغر سناً، بل من الأقدر على الصمود في هذا المشهد المتقلب.
في النهاية، السياسة في العراق لا تعترف كثيراً بالعمر، بقدر ما تعترف بمن يستطيع أن يبقى واقفاً عندما تتغير كل المعادلات من حوله.
