منصة ثقافية أدبية

إنها أخلاق الفرسان.


بتاريخ مارس 1, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 13


فلاح الكلابي

 

يخرج من يسأل: كيف يُغتال القائد؟ أين كانت التحصينات؟ أين كانت الأجهزة؟ لماذا لم يُخفِ نفسه؟

هذه الأسئلة تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها تنطلق من تصور واحد: أن السلامة الشخصية هي الأولوية القصوى. وهذا تصور يصلح لرجل عادي، لا لمن وضع نفسه في موقع القيادة.

القائد الذي يربط مصيره بقضية عامة لا يتصرف كفرد يبحث عن نجاة خاصة. وجوده في الميدان ليس تفصيلاً أمنياً يمكن تغييره متى اشتد الخطر، بل جزء من معنى حضوره. حين يختبئ، يرسل رسالة ضعف. حين يهرب، يفصل نفسه عن الناس الذين يطلب منهم الصمود. لذلك يبقى في موقعه، وهو يدرك حجم المخاطر.

 

البعض يتخيل سيناريو آخر: يترك مكانه، يختفي في ملجأ، ينقل أمواله إلى الخارج، يوزع عائلته على عواصم بعيدة، ثم يتحدث عن المقاومة من خلف الجدران. هذا النموذج موجود في عالم السياسة، لكنه ليس نموذج الفرسان. من اختار المواجهة لا يطلب امتيازات النجاة.

 

قبل أربعة عشر قرناً وقف الإمام الحسين أمام قوة تفوقه عدداً وسلاحاً. لم يكن القرار انفعالاً، بل إدراكاً كاملاً للنتيجة المتوقعة. ومع ذلك لم يبحث عن مخرج آمن. قال: «هيهات منا الذلة». لم تكن عبارة شعرية، بل تحديداً للمبدأ: الكرامة فوق الحسابات.

من يقرأ الحدث بعين عسكرية فقط يرى خسارة. ومن يقرأه بعين أعمق يرى تحوّلاً. يزيد ظنّ أنه أنهى خصماً سياسياً. لكنه صنع رمزاً تجاوز زمنه. الاسم الذي أراد طمسه أصبح جزءاً من ضمير أمة، بينما بقي اسم قاتله مقترناً بالعار.

 

اليوم تتكرر الفكرة نفسها. يعتقد بعضهم أن اغتيال القائد يعني إغلاق الملف. يظنون أن الضربة تنهي المعركة. هذا فهم ضيق لطبيعة الصراع. هناك شخصيات إذا سقطت تحولت إلى مرجعية أخلاقية، وإلى معيار يقاس به الآخرون.

الفارق بين من يعيش لنفسه ومن يعيش لقضية يظهر في لحظة الخطر. الأول يختار السلامة، الثاني يختار الموقف. الأول يحرص على استمرار حياته، الثاني يحرص على استمرار المعنى الذي يمثله. ولذلك لا يمكن قياس النتيجة بعدد الأيام التي عاشها، بل بالأثر الذي تركه.

من يعتقد أنه انتصر لأنه قتل رجلاً قد يكتشف لاحقاً أنه وسّع دائرة الفكرة التي أراد إنهاءها. فالجسد محدود بزمنه، أما الرمز فمفتوح على الأجيال.

 

قد يرون في ما حدث عملية ناجحة.

لكن التاريخ لا يُكتب بلغة البيانات العسكرية فقط.

يُكتب أيضاً بلغة الذاكرة، وبالطريقة التي يتحول بها الدم إلى موقف دائم.

وهنا تكون المسألة واضحة

الخسارة ليست دائماً في الموت،

والانتصار ليس دائماً في البقاء

الوسوم: