محمد عبد الجبار الشبوط
تُعدّ نزعة المحافظة على القديم واحدة من أقوى القوى النفسية والاجتماعية في حياة المجتمعات، فهيتمنح الإحساس بالأمان والاستمرارية، لكنها — حين تتحول إلى جمود ذهني — تصبح عقبة كبرى أمامالتغيير والتقدم الحضاري. وفي التجربة التاريخية للمجتمعات، كثيرًا ما لم يكن العائق في نقص المواردأو ضعف الإمكانات، بل في مقاومة الإنسان لأي تحول يمس ما ألفه واعتاده. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف عالج القرآن هذه النزعة؟ وهل قدّم منهجًا يساعد المجتمعات المؤمنة على تجاوز الجمود دون أنتفقد توازنها القيمي؟
القراءة المتأنية للنص القرآني تكشف بوضوح أن القرآن لم يكن نصًا محافظًا بالمعنى الجمودي، بل كان— في جوهر خطابه — قوة تحريرية للعقل والوعي، إذ واجه بشكل صريح أحد أخطر أشكال التعطيلالحضاري، وهو التمسك الأعمى بالموروث لمجرد أنه موروث. فالقرآن لم يرفض التراث لذاته، لكنه رفضتحويله إلى سلطة فوق العقل والحق.
يضع القرآن يده على جوهر المشكلة حين ينقل لنا منطق الرافضين للتغيير في أكثر من موضع، ومنأشهرها قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾، ثم يأتي الرد القرآني الحاسم: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون﴾. إن هذه المواجهة القرآنية ليست مجرد حوار عقدي، بلهي تأسيس لمبدأ حضاري بالغ الأهمية، وهو أن معيار الصواب ليس قدم الفكرة ولا شيوعها، بل مدىانسجامها مع العقل والهداية.
بهذا المعنى، يحرّر القرآن الإنسان من أسر ما يمكن تسميته “سلطة العادة”، وهي السلطة الخفية التيكثيرًا ما تعطل حركة المجتمعات، لأن الإنسان يميل بطبعه إلى المألوف ويخشى المجهول، حتى لو كانالجديد أصلح وأنفع. ولذلك فإن الخطاب القرآني لم يكتفِ بطرح البديل، بل فكّك البنية النفسية التيتقف وراء رفض التغيير.
ومن أبرز معالجات القرآن لهذه النزعة أنه أعاد تعريف مفهوم الثبات والتغيير تعريفًا متوازنًا؛ فالقرآنيرسّخ ثبات القيم الكبرى مثل العدل والحق والرحمة، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال واسعًا لحركةالإنسان في العمران والتجديد والتطوير. وهذا التمييز بالغ الأهمية حضاريًا، لأنه يمنع الخلط بين “ثباتالقيم” و“جمود الوسائل”. فالمشكلة في كثير من المجتمعات ليست في التمسك بالقيم، بل في تحويلالوسائل البشرية التاريخية إلى مقدسات لا تُمس.
وفي السياق نفسه، يلفت القرآن النظر إلى سنة التغير بوصفها قانونًا من قوانين الاجتماع البشري، كمافي قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. وهذه الآية تؤسس لقاعدة حضاريةواضحة مفادها أن التحول يبدأ من الداخل الإنساني، من الوعي والإرادة والسلوك، لا من التمني ولا منانتظار المعجزات. وهي رسالة مباشرة إلى كل مجتمع يريد النهوض: إن الجمود النفسي هو أول ما يجبكسره.
كما عالج القرآن نزعة الخوف من الجديد عبر بناء الثقة بقدرة الإنسان على التعلم والتجربة، إذ امتلأالخطاب القرآني بدعوات متكررة إلى النظر والتفكر والسير في الأرض واكتشاف سنن الكون، وهذه كلهاتوجيهات تدفع العقل المؤمن إلى الانفتاح لا إلى الانغلاق، وإلى المبادرة لا إلى التردد. فالإيمان فيالمنظور القرآني ليس حالة انكماش، بل حالة وعي متحرك في الكون.
وإذا أسقطنا هذا المنهج القرآني على واقع المجتمع العراقي اليوم، فإننا نلحظ بوضوح أن جزءًا من التعثرالحضاري يعود إلى تضخم الحس التحفظي تجاه التغيير، سواء في بنية التفكير الاجتماعي أو في آلياتالإدارة والاقتصاد. فكثير من النقاشات العامة تُحسم أحيانًا بمنطق “هكذا اعتدنا” أو “هذا ما وجدنا عليهمن قبل”، وهو منطق قريب جدًا مما انتقده القرآن في خطاب الأقوام السابقة.
إن التحدي المطروح أمام العقل المؤمن في العراق اليوم ليس الاختيار بين الإيمان والتغيير، بل إدراك أنالقرآن نفسه يدعو إلى تغيير واعٍ منضبط بالقيم، وأن الجمود ليس فضيلة في ذاته، بل قد يتحول — إذاتجاوز حدّه — إلى عامل من عوامل تعطيل العمران وإطالة أمد الأزمات. والمجتمع الذي ينجح فيالتمييز بين الثابت القيمي والمتغير الإجرائي يكون أقدر على الدخول في طور النهوض الحضاري.
إن الرسالة التي يمكن استخلاصها بوضوح من المنهج القرآني هي أن الوفاء الحقيقي للقرآن لا يتحققبتجميد الواقع عند صور الماضي، بل بتحريك طاقات الإنسان في ضوء القيم القرآنية لبناء واقع أفضل. فالقرآن لم ينزل ليحبس الإنسان في ما كان، بل ليهديه إلى ما ينبغي أن يكون.
وخلاصة القول إن نزعة المحافظة على القديم تصبح عائقًا حضاريًا حين تتحول من حكمة تحفظ التوازنإلى جمود يمنع التطور، وإن القرآن قدّم معالجة عميقة لهذه الإشكالية عبر تحرير العقل من التبعيةالعمياء، وترسيخ سنة التغيير، وبناء الثقة بقدرة الإنسان على التجديد، ومن هنا فإن الواجب الحضاريعلى المجتمع المؤمن اليوم هو أن يستجيب لروح القرآن الدافعة إلى الإصلاح، وأن ينتقل من الدفاع عنالمألوف لمجرد ألفته إلى البحث الواعي عمّا يحقق مقاصد العدل والعمران في واقع الناس.
