منصة ثقافية أدبية

عصر الترند / نهلة الدراجي


بتاريخ فبراير 7, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 11


      نهلة الدراجي

تحولت المنصات الرقمية في السنوات الأخيرة إلى مسارح مفتوحة على مدار الساعة والتي لا تؤمنبالانتقاء. ولعل ما يثير القلق اليوم ليس وجود التفاهة في هذا الفضاء الرقمي، بقدر ما يثيره تحول هذهالتفاهة إلى نمط حياة، او إلى مايسمى ب (ترند) يومي يكرم أصحابه، وتفتح لهم أبواب الشهرة والعوائدالمالية، ويمنحون ألقاب النجومية.

نحدق حولنا فنجد ملايين العيون شاخصة إلى هواتف ذكية، تتابع بلا ملل مقاطع لا تتجاوز بضع ثوان،لكنها رغم بساطتها وربما تفاهتها تملك قدرة هائلة على اجتذاب الانتباه وسرقة الوقت وحبس العقولداخل حلقة مفرغة من اللهو والسطحية.. مفارقة محزنة، حين يصبح صناع المحتوى الهابط نجوما تلمعأسماؤهم، في حين يقصى المثقفون، ويهمش المفكرون، ويطمر الإبداع تحت مايسمى بـــ (الترند)..!

من هذا المنطلق سؤال جوهري يدور في خلجاتي هو: هل نحن كجمهور ومتلقين مجرد ضحايا لهذهالثورة الرقمية المنفلتة؟ أم أننا شركاء فاعلون وربما أساسيون في صياغة هذا الواقع؟

المنصات الرقمية بطبيعتها أدوات حيادية لا تحمل بذاتها الخير أو الشر، بل تعكس ما يضخ فيها، ومايشجع عليها. وإذا كانت اليوم تفيض بالسطحية وتنحدر نحو التفاهة، فذلك لا يعود فقط إلىالخوارزميات، بل إلى خيارات المستخدمين أنفسهم.

في الواقع، لسنا أمام أزمة منصات بقدر ما نحن أمام أزمة وعي…!

إذ أن هذه المنصات، مهما بلغت قوتها تبقى مرآة لما يتم تداوله، ولما يثير اهتمام الجماهير. نحن منفتحنا الأبواب على مصراعيها للاستهلاك الرقمي غير الواعي نحن من أغلقنا نوافذ الفكر الجاد وكرسنامشهد الترفيه لأجل الترفيه، حتى أصبح اللا معنى صانعا للنجومية.

في كثير من المجتمعات، حيث تغيب السياسات الثقافية الجادة وتنعدم المشاريع الفكرية الجماهيرية،وتنهار المنصات الإعلامية المستقلة القادرة على إحداث فرق فيصبح من الطبيعي أن يتحول الشخصالعادي إلى نجم رقمي بين ليلة وضحاها لمجرد أنه تظاهر بالانفعال المباشر، أو خاض تحدي أكلالشطة، أو قال شيئا فيه جرأة ساذجة..وغيرها من التفاهات..

وما يزيد الصورة إيلاما أننا لا نكتفي بالمشاهدة، بل نشارك هذا المحتوى، ونعبد له طريق الانتشارونمنحه شرعية من خلال التعليق الإعجاب والترويج، قبل أن ندافع عنه إذا ما تعرض للانتقاد

للاسف مسرحية عبثية تتكرر كل يوم على شاشات هواتفنا.

ينطلق التغيير الحقيقي من الوعي الفردي من كل شخص يختار أن يملأ وقته بما يضيف إليه لا ما يسرقه،من كل أب وأم يزرعان حب المعرفة في أبنائهما من كل معلم يشعل شرارة التفكير في عقول طلابه، منكل مثقف يلتزم بالمحتوى المسؤول، ومن كل صانع محتوى يؤمن بأن رسالته أبعد من مجرد مشاهدات.

المعركة اليوم هي معركة وعي، تبدأ من داخل كل فرد لأن ما نتابعه ونروجه اليوم، هو بالضبط ما سيشكلمعالم أجيال الغد.

ولعلّ أول خطوة نحو الاستفاقة تبدأ من سؤال بسيط، لكنه عميق الدلالة

هل ما أتابعه يضيف ليأم يسرق مني؟

                                 

الوسوم: