منصة ثقافية أدبية

المرأة في رمضان بين الأمس و اليوم / فاطمة الراوي


بتاريخ فبراير 22, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 6


فاطمة الراوي

كم غيرت التكنولوجيا من حياتنا ، وكم تغيرنا نحن بها ، لم تعُد الايام كما كانت ،  فنحن ابناء مواقع التواصل الاجتماعي.

رمضان هو رمضان شهر دعينا فيه لضيافة الله،

يبدأ بفرحة رؤية الهلال، في الماضي يترقبه الناس بشغف، وتتعالى الزغاريد في بعض الأحياء، وتُضاءالفوانيس في الأزقة،  البيوت في العراق قديماً ، لا سيما في بغداد القديمة الدافئة ، تتشارك الأطباق قبلأذان المغرب، في مشهدٍ تختلط فيه رائحة الشوربة والتمر بروح المحبة. كان الأطفال ينتظرون صوتالمدفع إيذانًا بالإفطار، وتلتف العائلة حول مائدة واحدة، لا يشغلهم هاتف ولا تقطع صفو جلستهمشاشة تلفزيون .

والمساجد كانت تمتلئ بالمصلين، وتتعالى تلاوات القرآن في كل زاوية، وتصبح الليالي الرمضانية ملتقىللأقارب والجيران و البساطة كانت عنوان الحياة، لكن الدفء كان أعمق، والقلوب أقرب.

أما اليوم، فقد تغيّرت التفاصيل. دخلت التكنولوجيا كل بيت، وأصبح إعلان دخول الشهر ينتشر فيلحظات عبر الشاشات والمواقع و موائد الإفطار صارت أكثر تنوعًا، وربما أكثر إسرافًا أحيانًا. وكذلكوسائل التواصل الاجتماعي أضافت بُعدًا جديدًا وغريبا نبارك لبعضنا برسائل وصور رقمية ، وربما حتىلانستشعر قيمتها فقد نرسلها لإداء واجب ، ولكن نتابع البرامج والمسلسلات الرمضانية بشغف. ورغمهذا التغير، يبقى الجوهر واحدًا هو  رمضان.

رمضان بين الأمس واليوم وبين التكنولوجيا واللاتكنولوجيا لم يتغير ولكن نحن من تغيرنا دعوني استلفلكم صورة من الماضي، كيف كان رمضان، يمر على اهلنا وكيف كانت النساء يحضرن الإفطار ، حيث كانالرجال مشغولون بالعمل والكد، فقد روت لنا الجدةام حازم” بعفوية ، وبجمال حديثها، قبل  تطور أنماط المعيشة ، و ظهور التكنولوجيا  قائلةً :

في الماضي، النساء يستيقظن عند الثالثة فجراً، يحملن سلالهن ويسرن مسافات طويلة لجلب الحطبمن منطقةٍ إلى أخرى على الأقدام. لم يكن الطريق آمناً؛ فقد كان قطاع الطرق يترصدون العابرين فيالظلام. ولتفادي شرّهم، كانت بعض النساء يلجأن إلى التدخين، فيظهرن بمظهرٍ يوحي بالقوة فيحسبهنّالمارّة رجالاً  فيمضين سالمات.وعند انتهاء رحلة الحطب، يعدن إلى البيوت قرابة الخامسة فجراً. يغسلنعن أيديهنّ غبار الطريق، ويقِفن للصلاة بخشوعٍ يسبق شروق الشمس. ثم لا يلبث التعب أن يُؤجَّل،فيبدأن بإشعال التنور، يعجنَّ الطحين ويخبزن الخبز الطازج الذي تفوح رائحته في أرجاء الدار. وبعدالانتهاء من الخَبز، تتواصل الحركة دون انقطاع؛ تحضيرات الإفطار، ترتيب البيت، وإعداد ما يلزم ليومٍطويل. تمضي الساعات بين عملٍ وآخر وعند انتصاف النهار، وبعد أن يهدأ صخب الأعمال، تفتح النساءنوافذ الروح. يجلسن مع المصحف، تتردد الآيات في البيوت كما يتردد الضوء في الأزقة القديمة. بينركعةٍ وسجدة، وبين دمعةٍ ودعاء، كانت قلوبهنّ تصوم كما تصوم أجسادهنّ، وتختم القرآن كما تختمأعمال الصباحفي توازنٍ بديع بين واجب الدنيا ونداء الآخرة ومع اقتراب المغرب، ينبض البيت بالحياةمن جديد. تمتد الأيدي لترتيب المائدة كما لو أنها ترتّب فرحة اليوم كله. يعود الرجال محمّلين بإرهاقالنهار، فتستقبلهم ابتسامات صادقة، ويجلس الصغار مترقبين لحظة الأذان. هناك، حول مائدة بسيطة،كان التعب يذوب، وتكبر البركة، ويصبح الاجتماع نعمةً أعظم من الطعام نفسه.وأثناء الإفطار، تمتلئالأجواء بدفءٍ خاص لا يتكرر في سائر الأيام؛ تتعالى الضحكات، وتُتبادل الأحاديث البسيطة التي تحمل فيطياتها حبًا كبيرًا. تمتد الأيدي لتناول الطعام، لكن القلوب كانت تتناول السعادة قبل كل شيء. كانالإفطار لحظة اجتماعٍ حقيقي، يذوب فيها تعب النهار، وتكبر فيها روح العائلة.

وبعد الانتهاء من الإفطار، لا ينتهي اليوم، بل يبدأ فصلٌ آخر من النور. يتوجه الرجال والنساء إلى صلاةالتراويح، تمضي الخطوات إلى المسجد بقلوبٍ خاشعة، أو تُقام الصلاة في البيوت جماعةً. تصطفالصفوف، وتتعالى تلاوة القرآن في سكون الليل، فيشعر الجميع بأن يومهم الطويل قد تُوِّج بعبادةٍ تُنعشالروح وتغمر القلب بالطمأنينة.وهكذا كان يُختَم اليوم في الماضي؛ تعبٌ يسبقه تعب، ثم عبادةٌ تكلّلالجهد، فاجتماعٌ عائلي يزرع الدفء في القلوب.

أما في الحاضر، فقد تبدّلت الطقوس بفعل تطور التكنولوجيا ووجود أدواتٍ سهّلت على النساء كثيرًا منالأعباء. فالثلاجة والمجمّدة، وسائر الأجهزة المنزلية، أصبحت شريكًا يوميًّا في إدارة البيت. اليوم يُعتمدعلىالتفريزبشكلٍ كبير؛ حيث تُحضَّر الأطعمة قبل أسبوع  من رمضان، فتجتمع النساء قبل قدومالشهر المبارك لصنع الكبة  والبورك والدولمة وغيرها من الأطباق، ثم تُحفظ في المجمّدة لتكون جاهزةعند الحاجة.

وقبل الإفطار بساعة، لا يكون هناك عناء طويل في التحضير كما في السابق؛ يكفي إخراج ما تم تجميدهوتسخينه أو إتمام طهيه سريعًا، فتُجهَّز المائدة بجهدٍ أقل ووقتٍ أقصر. هكذا اختصرت التكنولوجياساعات العمل، ووفّرت وقتًا يمكن أن يُستثمر في العبادة أو الراحة أو الجلوس مع العائلة.

وهنا ناتي الى نقطة مهمة قد تختلف المظاهر بين الماضي والحاضر، لكن الروح الرمضانية لا تزال تسكنالقلوب الصادقة.

و إن التحدي الحقيقي في زمننا ليس في اختلاف الأجواء، بل في الحفاظ على المعنى؛ أن نصنع منالتكنولوجيا وسيلة للتقارب لا للتباعد، وأن نعيد للعائلة دفء جلستها، وللمائدة بساطتها، وللقلوبصفاءها.

رمضان الأمس جميل بذكرياته، ورمضان اليوم جميل بفرصه، وبينهما يبقى الإنسان هو من يصنع روحالشهرفإما أن يجعله عادةً تتكرر، أو عبادةً تتجدد.

الوسوم: