د. علي كاظم الشيباني.
في الدول المتطورة والمستقرة نجد ان السلطات العاملة فيها، تعمل وفي اسلوب تكاملي من دون ان تتجاوز كل سلطة على الأخرى، ممايجعلها قائمة على مبدأ التوازن بين هذه السلطات: (التشريعية والتنفيذية والقضائية) مما يسهم الى حد كبير في تعزيز الديمقراطية فيهذه الدول فضلاً عن حماية حقوق الإنسان من العبث بها.
وفي العراق مارس القضاء العراقي وخصوصاً بعد عام 2017م دوراً ايجابياً هاماً في تعزيز مرتكزات الدولة، حيث يمثل أحد أهم ركائزالدولة ، إذ لا يقتصر دوره على الفصل في المنازعات وتطبيق القانون، وإنما يمتد إلى حماية الشرعية الدستورية وصيانة الحقوق والحرياتوضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة. وفي ظل التحديات التي شهدها العراق خلال الأشهر الأخيرة، برز القضاء بوصفه مؤسسةدستورية أسهمت في معالجة العديد من الإشكالات التي نتجت عن بطء الأداء التشريعي أو تعقيدات العمل التنفيذي، وذلك من خلال تفعيلالنصوص القانونية القائمة، وتوحيد المبادئ القضائية، وتقديم التفسيرات التي ضمنت استمرار المرافق العامة وحماية المراكز القانونيةللأفراد.
لعل اي متابع يعلم ان العراق شهد خلال الفترة الأخيرة تحديات متشابكة ذات أبعاد أمنية وسياسية وإدارية واقتصادية، الأمر الذي فرضعلى السلطة القضائية ممارسة دورها الدستوري في تحقيق التوازن بين السلطات من خلال ممارسة تطبيق القانون عبر تفسير النصوصالدستورية والقانونية بشكل منفتح ينسجم مع طبيعة المرحلة ، من دون أن يعني ذلك حلولها محل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإنما عبرسد الفراغات القانونية التي قد تنشأ نتيجة تأخر التشريع أو اختلاف تفسير النصوص أو تعقيد الإجراءات الإدارية. ومن خلال الأحكاموالقرارات القضائية، تمكن القضاء من توفير حلول قانونية أسهمت في استقرار المعاملات وحماية الحقوق، بما عزز الثقة بمؤسسات الدولة.
وقد برز هذا الدور بوضوح من خلال العمل على توحيد الاجتهادات القضائية، إذ أسهمت المحاكم العراقية في ترسيخ مبادئ قانونية مستقرةحدّت من تضارب الأحكام، الأمر الذي وفر قدراً أكبر من اليقين القانوني للأفراد والجهات الحكومية على حد سواء. ولم يقتصر الأمر علىذلك بل تعداه من خلال قيامه بعملية الرقابة على مشروعية القرارات الإدارية، بما يحقق التوازن بين حماية المصلحة العامة وصيانة الحقوقالفردية، وهو ما يعكس التطبيق العملي لمبدأ سيادة القانون.
واذا كان القضاء وبما قام به في مجال الأحكام القضائية والرقابة على عمل الادارة في ضوء متبنياتهالقانونية . نراه بذات الوقت يقوم بعملجبار على الصعيد الأمني، فقد كان للقضاء العراقي دور مؤثر في دعم جهود الدولة الرامية إلى فرض الأمن ومكافحة الجريمة والإرهابوالفساد، وذلك من خلال سرعة حسم القضايا، وضمان المحاكمات العادلة وفقاً للقانون، وملاحقة الجرائم التي تمس أمن المجتمع واستقراره. وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز هيبة الدولة وترسيخ الثقة، بأن القانون هو المرجع الأساس لحماية المجتمع، الأمر الذي يمثل عنصراًجوهرياً في تحقيق الأمن المستدام.
كما أدى القضاء دوراً مهماً في مكافحة الفساد، من خلال نظر الدعاوى الجزائية المتعلقة بالاعتداء على المال العام، واتخاذ الإجراءاتالقانونية بحق المتهمين وفق الضمانات التي يكفلها القانون، وهو ما يدعم مبادئ النزاهة والشفافية ويعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
ولعل ممارسة القضاء لدوره الهام في مكافحة الفساد ومحاكمة كبار الفاسدين اعاد للفرد العراقي الكثير من الثقة بمؤسسات الدولة وقدرتهاعلى ضبط الأمور بالاتجاه الصحيح.
واستكمالا لدوره الكبير في الداخل فقد كان للقضاء العراقي دوراً محورياً امتدت انعكاساته إلى المجال الدولي. فاستقلال القضاء وفعاليتهيعدان من أهم المؤشرات التي تعتمدها الدول والمؤسسات الدولية في تقويم البيئة القانونية والاستثمارية للدول. وكلما ازدادت قدرة القضاءعلى إنفاذ القانون، وحماية العقود، وضمان الحقوق، ارتفعت مستويات الثقة الدولية بالدولة ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، فإن الأداءالقضائي خلال الأشهر الأخيرة أسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز صورة العراق بوصفه دولة تسعى إلى ترسيخ سيادة القانون واحترامالالتزامات القانونية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على علاقاته مع المجتمع الدولي ويهيئ بيئة أكثر استقراراً للتعاون الاقتصادي والاستثماريوالقضائي.
ومن الناحية الدستورية، فإن نجاح القضاء في أداء رسالته لا يعني حلول السلطة القضائية محل السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإنمايعكس قيام كل سلطة بدورها ضمن مبدأ الفصل بين السلطات مع التعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة. فالقضاء يفسر القانون ويطبقه،ويعالج ما يثور بشأنه من منازعات، ويضمن احترام الدستور، بينما يبقى سن التشريعات من اختصاص السلطة التشريعية، وتنفيذها مناختصاص السلطة التنفيذية.
إن ممارسة القضاء لهذه التجربة يؤكد بشكل لا يقبل اللبس انه صمام أمان للدولة في أوقات الأزمات، وأن استقلاله وحياده يمثلان الضمانةالأساسية لحماية الحقوق والحريات، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية بمؤسسات الدولة. كما أن استمرار تطويرالمنظومة القضائية، ودعم استقلالها، وتسريع الإجراءات، وتوظيف التقنيات الحديثة في العمل القضائي، من شأنه أن يعزز مكانة العراقالقانونية ويكرس مبادئ العدالة وسيادة القانون، بما يخدم المواطن والدولة على حد سواء.
