منصة ثقافية أدبية

بين بغداد وواشنطن… أين تلتقي المصالح وأين تتصادم؟


بتاريخ يوليو 22, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 4


فاروق الرماحي

لا يذهب رؤساء الحكومات إلى البيت الأبيض بحثًا عن صورة تذكارية، كما لا تستقبلهم واشنطن بدافع المجاملة, فالعلاقات الدولية تحكمها حسابات المصالح الدقيقة لا العواطف.
ومن هذا المنطلق، تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى العاصمة الأمريكية كجولة تفاوضية معقدة بين دولتين تتقاطع مصالحهما، ويحاول كل منهما تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون دفع ثمن سياسي باهظ. وبعد عقدين من سقوط النظام السابق، غادرت العلاقة بين بغداد وواشنطن المربع العسكري الصرف , فلم يعد العراق مجرد ملف أمني بالنسبة للأمريكيين، ولم تعد الولايات المتحدة بالنسبة للعراقيين مجرد غطاء لمحاربة الإرهاب، بل فرضت المتغيرات الدولية والإقليمية صياغة جديدة لأولويات الطرفين.
وفي هذا المشهد المتحول، يتطلع العراق إلى انتقال الشراكة مع واشنطن من الإطار الأمني إلى الآفاق الاقتصادية، سعيًا لبناء اقتصاد حيوي يتجاوز الاعتماد الكلي على النفط، ويعالج أزمات الكهرباء والبطالة وضعف البنية التحتية. وتدرك بغداد أن جذب الشركات الأمريكية الكبرى لا يضخ رؤوس الأموال فحسب، بل يمنح السوق العراقية “شهادة ثقة” تعيد لفت أنظار المستثمرين الدوليين. غير أن هذا الطموح العراقي يصطدم بشروط أمريكية صارمة , فواشنطن تربط شراكتها الاقتصادية بقدرة بغداد على فرض سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وتأمين البعثات الدبلوماسية والشركات الأجنبية، إذ لا يمكن لرأس المال أن يغامر في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار ويتداخل فيها نفوذ الدولة مع الفصائل المسلحة.
إلى جانب الاستقرار الداخلي، تضغط الولايات المتحدة باتجاه تقليص اعتماد العراق الطاقي على إيران في مجالي الغاز والكهرباء، انطلاقًا من رؤية استراتيجية ترى أن استقلال القرار السياسي لبغداد يبدأ من استقلاله في الطاقة. ولا تتوقف الحسابات الأمريكية عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل المنافسة الدولية مع الصين التي تمددت اقتصاديًا في البنية التحتية العراقية , مما يجعل الوجود الاستثماري الأمريكي في العراق خطوة جيوسياسية لمواجهة النفوذ الصيني في منطقة تعد قلب معادلة الطاقة العالمية. وفي المقابل، يجد العراق نفسه أمام حبل مشدود تفرضه الجغرافيا قبل السياسة، حيث يتوجب عليه الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته مع واشنطن وطهران وبكين والعمق العربي والتركي، وهو توازن لا يمكن أن يستمر ويثمر ما لم يستند إلى دولة قوية ذات مؤسسات متماسكة.
في النهاية، لن يُقاس نجاح هذه الزيارة بالابتسامات أمام الكاميرات أو الوعود البروتوكولية، بل بالنتائج الملموسة على الأرض , كدخول شركات كبرى في مشاريع حيوية، وتحقيق خطوات فعلية نحو الاكتفاء الذاتي في الطاقة، وإجراء إصلاحات حقيقية في البنية القانونية والقضائية تحارب الفساد والبيروقراطية وتجعل المستثمر يثق بالقانون أكثر مما يخشى الفوضى. فالولايات المتحدة اليوم لم تعد تسأل إن كان العراق حليفًا، بل إن كان دولة مستقرة يمكن الوثوق بها، والعراق لم يعد يسأل عن البقاء العسكري الأمريكي، بل عن الاستعداد للبقاء الاقتصادي. وبين هذين التساؤلين، يقف العراق أمام امتحانه الحقيقي , هل ينجح في جعل القوى الكبرى تتنافس على الاستثمار فيه، بدل أن تتنافس على النفوذ داخله؟

الوسوم: