لم يكن استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض مجرد لقاء بروتوكولي بين رئيس دولة عظمى ورئيس حكومة جاء من بلد ما زال يعيش تحت ثقل التدخلات والصراعات. كان المشهد، في دلالاته الأعمق، تعبيرًا عن تحول واضح في الطريقة التي تريد بها واشنطن إدارة علاقتها مع العراق: لغة المصالح الاقتصادية، وصفقات الطاقة، والاستثمارات، والتفاهمات الأمنية، بدل لغة التهديد ودعم كتل وشخصيات ساهمت في تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي والأمني للبلاد مع انتظار موقف حكومي حازم من النفوذ الإيراني هناك.
كان ترامب يعرف أن ضيفه لم يأتِ إلى رئاسة الحكومة نتيجة تاريخ طويل في العمل السياسي، ولم يتول منصبه عبر حزب قاده أو قاعدة جماهيرية صنعها أو تجربة حكومية راكمها. فالزيدي رجل أعمال ومصرفي دخل عالم السياسة من بوابة رئاسة الوزراء مباشرة، بعد أن اختاره الإطار التنسيقي كمرشح تسوية للخروج من أزمة تشكيل الحكومة، وحظي بدعم قوى سياسية عراقية نافذة، في مقدمتها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي.
ومع ذلك، لم يتعامل ترامب معه بوصفه رئيس حكومة ضعيف الخبرة، أو نتاج لتوافقات القوى التي جاءت به، ولم يفتح أمامه ملف شرعية اختياره ولا تفاصيل تاريخه السياسي القصير. تعامل معه وفق قاعدة مختلفة تمامًا أساسها رفع شأن زائر البيت الأبيض ووسمه بإوصاف لم يعرفها الزيدي ذاته ليذهب بالقول: هذا هو رئيس حكومة العراق اليوم، وهذا بلد يملك النفط والغاز والموقع الجغرافي والأسواق وفرص الاستثمار، فما الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تحققه من خلال التعامل معه؟
كانت لغة ترامب مباشرة، عملية، أقرب إلى لغة رجل الأعمال منها إلى لغة الحاكم الذي يريد إعادة هندسة العراق. تحدث عن الصفقات، وعن الإمكانات الهائلة للعراق، وعن فتح الأبواب أمام الشركات الأمريكية. والتقى في هذه النقطة مع الزيدي، القادم هو الآخر من عالم التجارة والمال، والذي قدم زيارته إلى واشنطن باعتبارها انتقالًا بالعلاقات العراقية–الأمريكية من الطابع العسكري إلى الشراكة الاقتصادية والاستثمارية. وقد ركزت المحادثات بالفعل على النفط والغاز والكهرباء، وعلى توسيع حضور الشركات الأمريكية في الاقتصاد العراقي.
ومن هنا يفرض التاريخ مقاربةً منطقية مفادها: إذا كانت واشنطن تستطيع اليوم أن تتعامل بهذه الواقعية مع رئيس وزراء جاء من خارج التجربة السياسية التقليدية، وبدعم القوى نفسها التي أقامت نفوذها داخل النظام الذي نشأ بعد الاحتلال، فلماذا لم تعتمد الواقعية الاقتصادية ذاتها مع العراق قبل عام 2003؟ وماذا لو قررت الولايات المتحدة حينها احتواء صدام حسين بدل غزو العراق وتدميره؟
لا يعني طرح السؤال الدفاع عن نظام كان يقوده صدام حسين، ولا إنكار أخطائه أو الحروب التي خاضها أو طبيعة سلطته. كما لا يعني أن العلاقات بين بغداد وواشنطن كان يمكن أن تتحول فجأة إلى تحالف كامل. المقصود هو مراجعة القرار الأمريكي من زاوية المصالح والنتائج: هل كان إسقاط الدولة العراقية بالقوة هو الطريق الوحيد المتاح لحماية المصالح الأمريكية، أم كان بالإمكان إخضاع العراق لسياسة احتواء صارمة، ثم إدماجه تدريجيًا في منظومة اقتصادية وأمنية تمنع تهديده لجيرانه وتحول دون تمدد إيران في الوقت نفسه؟
إن الفرق بين المرحلتين يثير مفارقة تاريخية لافتة. فالولايات المتحدة التي رفضت التعامل الاقتصادي والسياسي مع عراق قوي نسبيًا، يمتلك دولة وجيشًا ومؤسسات وموقعًا إقليميًا موازنًا لإيران، تجد نفسها اليوم تسعى إلى بناء شراكة اقتصادية مع عراق أضعفته الحروب والانقسامات التي سببتها سياسات واشنطن بعد عام 2003، وأصبح أكثر تعرضًا للنفوذ الإيراني ولضغوط الجماعات المسلحة والصراعات الداخلية.
لقد اختارت واشنطن عام 2003 أن تدفع بجيوشها إلى العراق، فأسقطت النظام والدولة معًا، ثم أنفقت مئات المليارات، بل تريليونات الدولارات، في الحرب والاحتلال وبناء القواعد ورعاية الجنود والمحاربين القدامى. وفقدت آلاف العسكريين، كما أصيب عشرات الآلاف، وتضررت مكانتها الدولية بعد انهيار المبررات الأساسية التي قدمت للحرب، وفي مقدمتها الادعاء بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
ودفع العراقيون ثمنًا أفدح. فقد قُتل مئات الآلاف منهم خلال سنوات الحرب والاحتلال والعنف الطائفي والإرهاب، فيما تقدر بعض الدراسات عدد الوفيات المرتبطة بالحرب وما أعقبها بما يقارب ستمائة ألف عراقي، وفق المنهجية والفترة الزمنية المعتمدة في كل دراسة. ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل شملت انهيار مؤسسات الدولة، وتدمير البنية التحتية، وتهجير الملايين، وتفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار الفساد بشكل مريع، وصعود التنظيمات المتطرفة.
ومع كل ذلك، لم تحصل الولايات المتحدة على العراق الذي وعد بها مخططو الحرب. فلم يتحول البلد إلى نموذج مستقر للديمقراطية الليبرالية، ولم يصبح قاعدة دائمة للنفوذ الأمريكي، ولم تنتهِ التهديدات الأمنية في المنطقة. وعلى العكس، أدى إسقاط النظام العراقي وتفكيك الجيش والمؤسسات إلى فتح فراغ استراتيجي كبير ملأته إيران تدريجيًا عبر الأحزاب، والفصائل المسلحة، والشبكات الاقتصادية والسياسية. إيران، التي خاضت مع العراق حربًا استمرت ثمانية أعوام، تدرك أن وجود دولة عراقية قوية يمثل الحاجز الجغرافي والعسكري والسياسي الأهم أمام تمددها نحو العالم العربي. لكن الولايات المتحدة أزالت هذا الحاجز بنفسها، ثم أنفقت الأموال والأرواح لاحقًا للحد من نفوذ طهران داخل الدولة التي ساعدت على إعادة تشكيلها.
لذلك لا يعود السؤال: هل كان صدام حسين حاكمًا مقبولًا أم مرفوضًا للولايات المتحدة؟ بل يصبح: هل كان من الممكن التحكم في سلوكه ومنع تهديداته من دون إسقاط العراق كله؟
كان العراق عشية الاحتلال خاضعًا للعقوبات الدولية والرقابة الجوية والتفتيش الأممي، وكانت قدراته العسكرية والاقتصادية قد تراجعت بدرجة كبيرة. وكان بإمكان واشنطن أن تبقي الضغط السياسي والعسكري، مقابل مسار تدريجي لرفع العقوبات وربط الاقتصاد العراقي بالاستثمارات والشركات الغربية والأمريكية. وكان من الممكن أن تربط أي انفتاح اقتصادي بشروط واضحة تتعلق بالأمن الإقليمي، والتسلح، والعلاقة مع الجيران، وحقوق العراقيين.
لو حدث ذلك، لربما حصلت الشركات الأمريكية على عقود النفط والغاز والكهرباء والبنية التحتية من دون أن تسبقها الدبابات. وكان من الممكن أن يتحول الاعتماد الاقتصادي المتبادل إلى وسيلة لضبط القرار العراقي، بحيث يصبح الحفاظ على العلاقات مع واشنطن مصلحة للنظام والدولة معًا.
كما كان من الممكن الإبقاء على العراق قوة إقليمية متوازنة، لا قادرة على مهاجمة جيرانها، ولا ضعيفة إلى حد يسمح لإيران بالهيمنة على قرارها. فالتوازن لا يعني تسليح بغداد بلا حدود، بل الحفاظ على دولة متماسكة وجيش وطني ومؤسسات تستطيع حماية الحدود ومنع تحول الأراضي العراقية إلى ممر لصراعات القوى الإقليمية.
إن طريقة تعامل ترامب مع الزيدي تكشف، أن واشنطن اتخذت قرارها باستخدام الاقتصاد كأداةً للنفوذ في العراق. وهي بذلك لا تحتاج إلى نشر قواعدها وقواتها العسكرية فيه، وباتت تتحدث عن شركات الطاقة والاستثمارات وخطوط التصدير والعقود الكبرى. ولا تتعامل مع رئيس الوزراء على أساس حجم خبرته السياسية، بل على أساس ما يستطيع تقديمه في ميزان المصالح.
لقد كان بالإمكان أن تكون الولايات المتحدة شريكًا اقتصاديًا للعراق، وكان بالإمكان أن تضغط على صدام حسين وتحتويه وتحد من قدراته، بدل أن تهدم الدولة ثم تنفق سنوات في محاولة إعادة بنائها دون جدوى، وكان بالإمكان الحفاظ على العراق باعتباره عنصر توازن إقليميً أمام إيران، بدل تسليمه إلى فراغ سياسي وأمني استثمرته طهران بكفاءة.
إن التاريخ لا يمنح الدول فرصة العودة إلى نقطة البداية، لكنه يمنحها فرصة التعلم. والدرس الذي ينبغي استخلاصه من العراق هو أن القوة العظمى لا تثبت عظمتها فقط بقدرتها على إسقاط الأنظمة، بل بقدرتها على معرفة متى لا تفعل ذلك. فالدولة العظمى لا تحتاج دائمًا إلى احتلال بلد وتدميره لكي تضمن مصالحها فيه. وقد تكون صفقة اقتصادية ذكية، وسياسة احتواء طويلة النفس، وتوازن إقليمي محسوب، أكثر فاعلية وأقل كلفة من حرب تكسبها الجيوش في أسابيع، ثم تخسرها سياسياً على مدى عقود.
