مشتاق الربيعي
يولد الإنسان وهو يحمل في أعماقه غرائز فطرية وانفعالات أولية، فتكون رغباته وحاجاته هي المحرك الأساسي لسلوكه. وفي سنواته الأولى لا يدرك سوى ذاته، فيبكي ليُلبّى طلبه، ويغضب إذا لم تتحقق رغباته، ويظن أن العالم كله يدور في فلكه. وهذه مرحلة طبيعية من مراحل النمو، لكنها ليست المرحلة التي ينبغي أن تستمر مدى الحياة.
ومع تقدم العمر، يبدأ العقل بالنضج، وتتسع دائرة الوعي، فيدرك الإنسان أنه جزء من مجتمع كبير، وأن الحياة لا تقوم على تحقيق المصالح الشخصية وحدها، بل على التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرية والمسؤولية. وهنا تبدأ رحلة الارتقاء بالذات، وهي رحلة لا ترتبط بالعمر بقدر ارتباطها بالإرادة الصادقة والرغبة في التغيير نحو الأفضل.
فالارتقاء بالذات لا يعني جمع المال، أو الحصول على المناصب، أو التفاخر بما يملك الإنسان من جاه أو نفوذ، وإنما يعني تهذيب النفس، وإصلاح الفكر، وتزكية الأخلاق، والسيطرة على الانفعالات، والقدرة على التعامل مع الآخرين باحترام وإنصاف. فالإنسان الراقي هو من يسمو بأخلاقه قبل أن يسمو بمكانته، ويكسب احترام الناس بسلوكه قبل كلماته.
إن مراجعة النفس من أعظم صور الارتقاء. فالإنسان الذي يعترف بخطئه ويعمل على تصحيحه أكثر قوة ممن يصر على الخطأ بدافع العناد أو الكبر. وليس عيبًا أن يخطئ المرء، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما العيب أن يكرر أخطاءه وهو يعلم أنها تؤذيه وتؤذي من حوله. لذلك فإن محاسبة النفس، والتعلم من التجارب، والإنصات للنقد البنّاء، كلها مفاتيح أساسية للنمو الشخصي.
كما أن القراءة، وطلب العلم، والانفتاح على الأفكار النافعة، ومصاحبة أصحاب الأخلاق والقيم، كلها وسائل تسهم في بناء شخصية أكثر وعيًا واتزانًا. فالعقل الذي يتوقف عن التعلم يتوقف عن التطور، والإنسان الذي يرفض مراجعة أفكاره يحرم نفسه من فرصة النضج الحقيقي.
ولا يكتمل الارتقاء بالذات إلا بالتحلي بالتواضع، فكلما ازداد الإنسان علمًا وخبرة، أدرك أن أمامه الكثير ليتعلمه. أما الغرور، فهو من أكبر العوائق التي تمنع الإنسان من رؤية عيوبه، فيبقى أسيرًا لصورته التي رسمها لنفسه، بينما يفقد تدريجيًا احترام الآخرين.
إن المجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، بل تنهض بأفراد ارتقوا بأنفسهم قبل أن يطالبوا بإصلاح غيرهم. فكل إنسان ينجح في تهذيب أخلاقه، واحترام الآخرين، والالتزام بواجباته، يسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وتسامحًا وعدالة.
وفي النهاية، يبقى الارتقاء بالذات مشروعًا لا ينتهي، لأنه رحلة مستمرة نحو الأفضل. فالإنسان الحقيقي ليس من ينتصر على الآخرين، بل من ينتصر على ضعفه، ويهذب أخلاقه، ويجعل من كل يوم فرصة جديدة ليكون أفضل مما كان عليه بالأمس. وعندما يرتقي الإنسان بنفسه، فإنه لا يغيّر حياته وحدها، بل يترك أثرًا طيبًا في كل من يحيط به، وذلك هو أعظم نجاح يمكن أن يحققه في حياته
