منصة ثقافية أدبية

عاشوراء وانعكاساته على السياسة الجنائية في العراق


بتاريخ يونيو 29, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 3


د.يوسف حرز الدين

          يُعد يوم عاشوراء من أبرز المناسبات الدينية في العراق، إذ يستذكر المسلمون ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في واقعة الطف سنة 61 هـ. وقد اكتسبت هذه المناسبة أبعاداً دينية واجتماعية وثقافية وقانونية واسعة، ولا سيما فيالعراق الذي يحتضن مدينة كربلاء المقدسة ومراقد أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

         ولا يقتصر تأثير يوم عاشوراء على الجانب الديني فحسب، بل يمتد إلى المجال القانوني والجنائي، حيث تتطلب الملايين المشاركة فيإحياء الشعائر الحسينية توفير حماية قانونية وأمنية خاصة. ومن هنا برز دور السياسة الجنائية العراقية في وضع التدابير اللازمة لحمايةالشعائر الدينية والأماكن المقدسة وضمان الأمن والنظام العام أثناء إحياء مراسم يوم عاشوراء.

         يقصد بالسياسة الجنائية مجموعة التدابير التشريعية والقضائية والإدارية التي تعتمدها الدولة لمواجهة الجريمة والوقاية منها وتحقيقالأمن الاجتماعي، وتسعى السياسة الجنائية الحديثة إلى تحقيق توازن بين أمرين:حماية الحقوق والحريات العامة، والمحافظة على الأمنوالنظام العام، وتبرز أهمية السياسة الجنائية خلال المناسبات الدينية الكبرى، ومنها يوم عاشوراء، بسبب التجمعات البشرية الضخمة وما قديرافقها من أخطار أمنية أو اعتداءات على الأشخاص أو الممتلكات أو الشعائر الدينية.

         لقد كفل دستور جمهورية العراق لسنة 2005 م حرية ممارسة الشعائر الدينية، إذ نصت المادة (43/أولاً) على أن:”أتباع كل دين أومذهب أحرار في:1- ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية,2- إدارة الأوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية وينظم ذلكبقانون“, كما نصت المادة (43/ثانياً) على أن: “تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها“.

         وتكتسب هذه النصوص أهمية خاصة لأنها جعلت حماية الشعائر الحسينية التزاماً دستورياً يقع على عاتق الدولة العراقية، الأمرالذي ينعكس بصورة مباشرة على التشريعات الجنائية الرامية إلى حماية هذه الشعائر، كذلك نصت المادة (10) من الدستور على أن: “العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها وضمان ممارسة الشعائر فيهابحرية“, ويُعد هذا النص أساساً دستورياً للسياسة الجنائية الخاصة بحماية المراقد المقدسة والزائرين خلال مواسم عاشوراء والزياراتالمليونية.

         لقد تبنى المشرع العراقي سياسة جنائية واضحة لحماية الشعائر الدينية من خلال قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969مالمعدل, ومن أبرز النصوص القانونية في هذا المجال المادة (372) من قانون العقوبات، التي جرّمت الأفعال التي تمس الشعائر الدينية أوتعرقل ممارستها, وتنص المادة (372) على معاقبة كل: من اعتدى بإحدى طرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينية, أو تعمدالتشويش على إقامة شعائر دينية أو احتفال ديني أو تعطيله, أو خرب أو أتلف أو شوّه مكاناً معداً لإقامة شعائر دينية, أو انتهك حرمة رمزأو شخص أو شيء يحظى بالتقديس أو الاحترام الديني, وتبرز أهمية هذه المادة خلال موسم عاشوراء لما توفره من حماية جنائية للمواكبالحسينية والمجالس الدينية والمراقد المقدسة.

         لا تقتصر السياسة الجنائية على العقاب بعد وقوع الجريمة، وإنما تشمل أيضاً التدابير الوقائية لمنع وقوعها, وفي هذا الإطار تتخذالسلطات العراقية خلال موسم عاشوراء إجراءات متعددة منها: نشر القوات الأمنية في أماكن التجمعات, ومراقبة الطرق المؤدية إلى المدنالمقدسة, وحماية المواكب الحسينية والزائرين, وتنظيم حركة المرور, ومكافحة الجرائم الإرهابية المحتملة, ويأتي ذلك انسجاماً مع واجب الدولةفي حماية الحق في ممارسة الشعائر الدينية وضمان سلامة المشاركين فيها, وتعد هذه الإجراءات تطبيقاً عملياً لفلسفة السياسة الجنائيةالوقائية التي تهدف إلى منع الجريمة قبل وقوعها بدلاً من الاقتصار على معاقبة مرتكبيها.

         كما شهد العراق خلال العقود الماضية محاولات متكررة لاستهداف الزائرين والمواكب الحسينية من قبل الجماعات الإرهابية، الأمرالذي دفع المشرع العراقي إلى تبني سياسة جنائية صارمة في مواجهة هذه الجرائم, ويُعد قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005مأحد أهم الأدوات القانونية المستخدمة لحماية الزائرين والشعائر الدينية, إذ يفرض القانون عقوبات مشددة على الجرائم الإرهابية التيتستهدف المدنيين أو أماكن العبادة أو التجمعات الدينية, وتظهر أهمية هذا القانون في مواسم عاشوراء من خلال الردع القانوني للمجموعاتالتي تسعى إلى استهداف المشاركين في الشعائر الحسينية أو إثارة الفتن الطائفية.

 

         ومن الأهداف الأساسية للسياسة الجنائية العراقية الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع النزاعات التي قد تهدد الوحدة الوطنية, وتسهمالنصوص الجنائية المتعلقة بحماية الشعائر الدينية في تحقيق هذا الهدف من خلال: تجريم خطابات الكراهية الدينية, وحماية حرية المعتقدوالعبادة, ومنع الاعتداء على دور العبادة والمراقد المقدسة, ومكافحة الأفعال التي تثير الفتن الطائفية, وضمان المساواة بين المواطنين فيممارسة حقوقهم الدينية, وبذلك تصبح السياسة الجنائية أداة قانونية لتعزيز التعايش السلمي واحترام التنوع الديني والمذهبي في المجتمعالعراقي.

         إن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تمثل أنموذجاً أخلاقياً يقوم على مقاومة الظلم ونصرة الحق والدفاع عن كرامة الإنسان، وهيقيم تتوافق مع الأهداف الحديثة للسياسة الجنائية التي تسعى إلى حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات, فالقانون الجنائي لا يهدف إلىالعقاب فقط، بل يسعى أيضاً إلى تحقيق العدالة وحماية الإنسان من الاعتداء، كونها مبادئ يمكن استلهامها من القيم التي جسدتها واقعةالطف, كما أن تعزيز ثقافة احترام القانون ونبذ العنف والتطرف يتعد من النتائج الإيجابية التي يمكن أن تسهم بها المناسبات الدينية الكبرىوفي مقدمتها يوم عاشوراء.

         لذا يتضح أن يوم عاشوراء لا يمثل مناسبة دينية فحسب، بل يشكل حدثاً له آثار قانونية وجنائية مهمة في العراق. وقد انعكس ذلكعلى السياسة الجنائية العراقية التي تبنت مجموعة من التدابير التشريعية والأمنية الرامية إلى حماية الشعائر الحسينية والزائرين والأماكنالمقدسة.

         كما أسهمت النصوص الدستورية الواردة في المواد (10) و(43) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005م، إلى جانب أحكام المادة(372) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م، وقانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005م، في توفير إطار قانونيمتكامل لحماية الشعائر الدينية خلال موسم عاشوراء.

         وعليه، فإن عاشوراء تمثل أنموذجاً واضحاً للتفاعل بين القيم الدينية والسياسة الجنائية، حيث تسعى الدولة من خلال قوانينها إلىتحقيق التوازن بين ضمان الحريات الدينية والمحافظة على الأمن والنظام العام، بما يعزز الاستقرار المجتمعي وسيادة القانون في العراق،فسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أصحاب الحسين وعلى أنصار الحسين وعلى المستشهدين في طريق الحسين (عليهالسلام).

الوسوم: