جعفر محيي الدين _النجف
تتحرك إيران ضمن معادلة شديدة التعقيد ،فهي لا تريد أن تظهر بمظهر الدولة العاجزة عن الرد، لكنها تدرك أيضاً أن الذهاب إلى مواجهةمفتوحة قد يدفع المنطقة بأكملها إلى انفجار واسع يصعب احتواء نتائجه. ولهذا تبدو ايران حذرة جداً من الانجرار إلى رد متسرع يمنحخصومها الذريعة التي ينتظرونها. فهي تدرك أن أي مواجهة شاملة ستستثمر إعلامياً وسياسياً لتكريس صورة إيران بوصفها (العدوالأخطر)، حتى لو كانت في موقع الدفاع عن نفسها
وفي ظل هذا التصعيد، برزت الإشارات الحادة للسيد مجتبى خامنئي بوصفها رسائل تحذير استراتيجية موجهة لأمريكا وإسرائيل والعالمالإسلامي معاً، تؤكد أن ما يجري لم يعد مرتبطاً فقط بملف النووي أو اليورانيوم، انما بصراع أوسع يراد منه إنهاك المنطقة وإبقاؤها داخلحالة توتر دائم واستنزاف مستمر. ومن هنا جاء التحذير من خطورة المرحلة والدعوة إلى تجاوز الحسابات الضيقة والانفعالات المتعجرفة، لأنالخطر الحقيقي لا يكمن في الضربات العسكرية وحدها، انما ايضاً في تحويل الحرب إلى واقع يومي تعتاد عليه المنطقة تدريجياً.
وتوسيع دائرة الاشتباك وتحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مفتوحة تخدم الحسابات الأمريكية والإسرائيلية على المدى البعيد..
ومن هنا يمكن فهم طبيعة المرحلة الحالية بوصفها مرحلة (الحرب المتقطعة)، وهي أخطر أحياناً من الحرب التقليدية، لأنها تبقي المنطقة معلقةبين اللاسلم واللاحرب ،فتبقى الأسواق قلقة، والطاقة تحت الضغط، والتحالفات قابلة للتبدل في أي لحظة. كما تبدو التوقعات مفتوحة علىاحتمالات تصعيد جديدة بعد عيد الأضحى، حيث قد تتحول الضربات المحدودة إلى ما يشبه (وحدة قياس للقوة) بين الأطراف المتصارعة،فكل ضربة لم تعد تقرأ بحجم خسائرها فقط، انما تكون بحجم الرسائل السياسية والعسكرية التي تحملها.
وفي موازاة هذا التوتر الخارجي، تعيش الساحة الأمريكية نفسها حالة ارتباك داخلي متصاعد، يتجلى في عودة الحديث عن ملفات حساسةمثل قضية جيفري إبستين، بعدما أعاد النائب الجمهوري توماس ماسي فتح الجدل حول الوثائق المحجوبة والتلميحات المتعلقة بشخصياتنافذة ومليارديرات، إلى جانب حديثه عن قناعة ميلانيا ترامب بأن إبستين لم يكن يتحرك بمفرده. ورغم أن هذا الملف يبدو بعيداً عن أجواءالصراع الخارجي، إلا أنه يعكس حجم الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، في وقت تحاول فيه واشنطن إدارة أزمات العالم وهيتواجه أزمات ثقة داخلية متزايدة.
وإذا استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بسياسة الضرب المحدود مع الحفاظ على سقف يمنع الانفجار الشامل، فإن المنطقة مرشحة لمرحلةطويلة من الاستنزاف السياسي والعسكري دون حسم واضح. أما إذا وقع خطأ كبير في الحسابات أو تم استهداف مواقع وشخصياتحساسة بصورة مباشرة، فقد تنتقل المنطقة إلى مستوى أخطر من التصعيد، خصوصاً أن ساحات الصراع لم تعد منفصلة، بل أصبحتمترابطة بصورة تجعل أي شرارة قابلة للتمدد بسرعة عبر أكثر من جبهة.
