منصة ثقافية أدبية

مرآة الروح / نهلة الدراجي


بتاريخ يونيو 15, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 4


وأنا أسير في أزقة السوق المكتظة حيث تختلط أصوات الباعة بحركة المارة وفي وسط ذلك الصخب قادتني خطاي نحو واجهة مكتبة قديمةجميلة تنبعث من داخلها سكينة دافئة تشعرك بأن الزمن يتوقف عند عتبتها.

دخلت المكتبة وبدأت تقليب صفحات الكتب وتأمل عناوينها واستنشاق رائحة الورق الحاضنة لآلاف القصصوبينما كانت عيناي تتنقلانبين الرفوف لفت انتباهي كتاب ذو غلاف يحمل عمقا هادئا وعنوانا بدا وكأنه يهمس في أذن كل قارئ (ربما عليك أن تكلم أحداً) للمعالجةالنفسية لوري غوتليب.

فيما بعد تيقنت ان هذا الكتاب ليس مجرد إصدار في علم النفس، فبعد الإبحار في تفاصيله أنه مرآة عارية تواجهنا بأعمق مخاوفنا وأكثرمشاعرنا تعقيدا حيث نجد أنفسنا أمام خارطة طريق نفسية تفكك الطبيعة البشرية بذكاء.

تنطلق الكاتبة من فكرة ثورية في العلاقات الإنسانية فالأشخاص الذين نجدهمصعبي المراسأو غاضبين ومتطلبين، ليسوا أشراراًبالضرورة.

لوري تخبرنا أن الشخص القاسي أو المنتقد يعاني في الأصل من وحدة شديدة. و يعيش صراعا أزلياً يرغب بشدة في أن يراه أحد ويفهمهلكنه في الوقت ذاته يرتعب من أن يكشف ضعفه.

و عندما نرى شخصاً يقسو على من حوله فإن الحقيقة المظلمة هي أنه يقسو على نفسه أضعاف ذلك..

و بدلا من إلقاء اللوم دائماً على الآخرين يواجهنا الكتاب بحقيقة صادمة (أحياناً الجحيم هو نحن). نحن أولئك الأشخاص الصعبين فيحياة آخرين والاعتراف بهذا هو أول طريق الشفاء.

تحلل غوتليب ببراعة كيف يحمي العقل البشري نفسه عندما تصبح المشاعر أكبر من قدرته على التحمل.

صدقا نمر أحياناً بفترات لا نشعر فيها بشيء،  ونظن أننا فرغنا من المشاعر لكن الكتاب يصحح هذا المفهوم بدقة الخدر ليس غيابا للمشاعربل هو جدار حماية يرفعه العقل لأن المشاعر أصبحت ثقيلة جداً وفوق طاقة الاحتمال.

كما بينت في كتابها ان الحيل الدفاعية (كالإنكار، أو الإسقاط، أو العزل) تخدم غرضا مفيدا وتحمينا من الانهيار لكنها مؤقتة وتنتهيصلاحيتها عندما نصبح مستعدين لمواجهة الحقيقة.

لماذا يصعب علينا التغيير رغم أننا نشتكي طوال الوقت؟

الناس يتمسكون بآلامهم المألوفة لأن التغيير يتطلب التخلي عن جزء من هوياتهم القديمة أو التخلي عن دور (الضحية). نردد أننا نريدالأفضل لكننا نبرح مكاننا خوفاً من المجهولوهنا تؤكد الكاتبة أن الأمور التي تثير غضبنا ونحتج عليها في الغالب،هي ذاتها النقاطالعمياء التي نحتاج للنظر إليها بشجاعة..

في نهاية المطاف، لا يتركنا الكتاب غرقى في التحليل بل يقدم دليلاً عملياً للنجاة.

قبول المشاعر دون أحكام فعواطفنا ليست جيدة أو سيئة فالمطلوب ليس قمعها بل استخدامها كـ خارطة طريق تفك شفرات ما يحدث بداخلنا.

علينا كسر الحلقة المفرغة بالفعل لأن الاكتئاب والحزن يجعلان الرؤية ضبابية كمن ينظر في عاصفة مطرية  والحل ليس بانتظار الشفاءالسحري بل بالقيام بأمر واحد صغير. الحركة تولد الحركة والخطوة الأولى تستبدل الحلقة المفرغة بحلقة فاعلة.

العمل وفق سياسة الخطوة الواحدة فالخوف من المستقبل يعطلنا والسر يكمن في عدم النظر إلى السلم كاملا، بل التركيز على الخطوةالأولى فقط ثم التي تليها.

فحين أتممت الكتاب بدأت اشعر أن النظرة إلى الوجوه من حولي قد تغيرت فالكتاب يختصر المعاناة الإنسانية في حقيقة واحدة الجميع يتألموالجميع يحاول الاختباء بطريقته الخاصةالشفاء يبدأ دائماً من شجاعة المواجهة والقبول ثم خطوة أولى صغيرة نحو التغيير.

                              نهلة الدراجي

الوسوم: