منصة ثقافية أدبية

إغلاق هرمز و الامن الغذائي في الخليج / د حسن الشرشاب


بتاريخ يونيو 10, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


د حسن دنيف الشرشاب

مع تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج العربي، يعود الحديث مجددًا عن مضيق هرمز بوصفه الشريان البحري الأخطر في معادلة الطاقة والتجارة العالمية. فالمضيق لا يمثل مجرد ممر لعبور النفط، بل يُعد بوابة الحياة الاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تعتمد بشكل كبير على حركة الملاحة البحرية في استيراد الغذاء والسلع والبضائع المختلفة.

إن أي تهديد بإغلاق مضيق هرمز لا ينعكس فقط على صادرات النفط، بل يمتد ليهدد الحياة الاقتصادية والمعيشية لدول الخليج بصورة مباشرة. فدول الخليج، بحكم طبيعتها الجغرافية، تعتمد إلى حد كبير على الاستيراد الخارجي لتأمين احتياجاتها الغذائية والاستهلاكية، ما يجعل استمرار انسيابية الملاحة البحرية أمرًا حيويًا لاستقرارها الداخلي.

وقد كشفت الأزمات الأخيرة حجم القلق المتزايد داخل المجتمعات الخليجية من احتمالية استمرار الحرب أو توسعها، خاصة مع تكرار التهديدات المتعلقة بإغلاق المضيق. فالمخاوف لم تعد مرتبطة فقط بأسعار النفط أو الأسواق المالية، بل بدأت تمس الأمن الغذائي والحياة اليومية للمواطن الخليجي.

إن الأثر النفسي للحرب في منطقة الخليج أصبح واضحًا بصورة متزايدة، حيث تصاعدت المخاوف من احتمال انقطاع الإمدادات أو نقص المواد الغذائية والسلع الأساسية إذا ما طال أمد الصراع أو تم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. فالإحساس بالخوف من تعطل طرق التجارة البحرية يولّد حالة من عدم اليقين داخل المجتمعات الخليجية، خاصة في ظل اعتماد معظم هذه الدول على الاستيراد الخارجي لتغطية جزء كبير من احتياجاتها الأساسية.
وتزداد حساسية هذا الوضع بسبب الطبيعة الجغرافية لدول الخليج العربي، إذ تعتمد معظم هذه الدول بصورة رئيسية على الممرات البحرية الخليجية في التجارة والاستيراد. ورغم أن المملكة العربية السعودية تمتلك حدودًا برية مع الأردن، إلا أن العراق يتميز بامتداد جغرافي أوسع عبر حدوده مع تركيا وسوريا والأردن، ما يمنحه بدائل إضافية للتجارة وتأمين الإمدادات في أوقات الأزمات

وهنا يبرز العراق بوصفه حالة مختلفة نسبيًا ضمن المعادلة الإقليمية. فعلى الرغم من تأثره بالتوترات الأمنية والسياسية في المنطقة، إلا أن موقعه الجغرافي يمنحه قدرًا أكبر من المرونة الاقتصادية مقارنة ببعض دول الخليج. فالعراق لا يعتمد بشكل كامل على مضيق هرمز، بل يمتلك منافذ وحدودًا برية مع عدة دول، ما يوفر له متنفسًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في أوقات الأزمات.

إن وجود حدود مشتركة للعراق مع تركيا والأردن وسوريا يمنحه خيارات متعددة للاستيراد والتصدير عبر الطرق البرية أو الموانئ البديلة، وهو ما يقلل من احتمالية حدوث عزلة اقتصادية كاملة في حال تعطل الملاحة في الخليج العربي. كما أن هذه المنافذ تمنح العراق قدرة أكبر على تأمين احتياجاته الغذائية والتجارية من عدة اتجاهات، بدل الاعتماد على ممر واحد فقط.

وقد انعكس هذا الواقع الجغرافي أيضًا على طبيعة الشعور العام داخل المجتمع العراقي، حيث يبدو مستوى القلق من انقطاع المواد الغذائية أو توقف التجارة أقل مقارنة بما هو موجود في بعض المجتمعات الخليجية. فالمواطن العراقي يدرك أن بلاده تمتلك بدائل متعددة للاستيراد والتبادل التجاري، سواء عبر تركيا أو الأردن أو سوريا، ما يمنح شعورًا نسبيًا بالأمان الاقتصادي حتى في ظل الأزمات الإقليمية.

في المقابل، تواجه دول الخليج تحديًا أكثر تعقيدًا، لأن أي إغلاق طويل لمضيق هرمز قد يعني تعطّل جزء كبير من حركة التجارة والاستيراد، الأمر الذي قد ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد والقدرة على توفير السلع الأساسية.

إن ما تكشفه هذه الأزمة هو أن الجغرافيا ما تزال تلعب دورًا حاسمًا في معادلات الأمن الاقتصادي والغذائي. فالدول التي تمتلك منافذ متعددة وحدودًا متنوعة تكون أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات، مقارنة بالدول التي تعتمد على ممر بحري واحد مهما بلغت قوتها الاقتصادية.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحّة أمام دول المنطقة لإعادة التفكير في استراتيجيات الأمن الغذائي والتجاري، وتنويع طرق الاستيراد والتصدير، وعدم ربط مستقبل الاقتصاد بممر واحد قد يتحول في أي لحظة إلى نقطة اختناق استراتيجية.

وفي النهاية، فإن أزمة مضيق هرمز ليست مجرد أزمة ممر مائي، بل اختبار حقيقي لقدرة دول المنطقة على مواجهة الأزمات الكبرى، ومدى امتلاكها لبدائل جغرافية واقتصادية تضمن استمرارية الحياة والاستقرار في أوقات التوتر والحروب.

الوسوم: