____ (٢ )
لم يُعهَد في تاريخِ الحوزةِ العلميّةِ بالنجف الأشرف أنّها أقامت سوقًا للزعامة على صخبِ الأصوات ولا رفعت رجلًا لأنّ الجموعَ مشت خلفَهُ ولا لأنّ الألسنَ أكثرَت في مدحِهِ والثناءِ عليه.
بل كانت ـ منذُ سالت ينابيعُها الأولى ـ تُنبتُ رجالَها كما تُنبتُ الأرضُ الطيّبةُ النخلَ بصمتٍ وثباتٍ وامتداد رونق الثمار على طول الزمن
فما كانَ المرجعُ الأعلى عندها ابنَ ضجيجٍ ولا صنيعةَ راياتٍ تُلوَّح ولا وليدَ تصفيقٍ يعلو ثم يخبو
وإنما هو قديس يتهجد في الأسحار وعملٌ تُزكّيهِ المواقفُ ونفحةٌ غيبيةٌ مباركةٌ
وعِلمٌ يضيء الطريق الى خط الاستقامة
وإذا أرادَ اللهُ إظهارَ عبدٍ هيّأ لهُ أسبابَ التصدي ثم ساقَ القلوبَ إليهِ سوقَ المطرِ للسحاب.
وكم من رجلٍ حفّت بهِ الجموعُ ثم انطفأ ذكرُهُ كما ينطفئُ وهجُ السراب وكم من شيخٍ متواضعٍ في زقاقٍ من أزقّةِ النجفِ كانت على كتفيهِ ـ وهو لا يشعر ـ أثقالُ الطائفةِ وآمالُ الأمة.
إنّها سلطةُ الأرواحِ لا سلطةُ الاستعلاءِ وولايةُ الهيبةِ لا هيمنةُ الكراسي ومنهجٌ يمدُّ جذورَهُ إلى بيوتاتِ الوحيِ ومواضعِ الرسالة حيثُ تعلّمَ الناسُ أنّ الإمامةَ نورٌ لا يُصطنع وأنّ المقاماتِ العظمى لا تُنالُ بالهتافِ والازدحام.
ولذلكَ بقيتِ الحوزةُ ـ على تقلّبِ الأزمنةِ واختلافِ المباني ـ ذاتَ معينٍ واحد تستقي من نهرِ أهلِ البيتِ عليهم السلام فيرزقُ اللهُ الطائفةَ في كلِّ عصرٍ رجلًا يملأُ الفراغَ إذا اتّسع ويقفُ للحدثِ إذا ادلهمّ كأنّ يدًا خفيّةً تدفعُهُ إلى موضعِه دفعًا ثم تُلبسُهُ مهابةَ القبول.
فالأرضُ لا تخلو من حجّةٍ لله ولا تنقطعُ عنايةُ السماءِ عن هذهِ المسيرةِ الممتدّةِ منذُ انبثاقِ فجرِها وبيدهِ سبحانهُ يُنصَبُ من يشاء… ويُسدَّدُ…. ويُبارَك
رحمَ اللهُ من مضى من فقهائنا وساداتِنا وأعمدتِنا
وحفظَ اللهُ من بقيَ نلوذُ به إذا ادلهمَّ الخطبُ واشتدَّت المحنُ
