منصة ثقافية أدبية

حكايةٌ لم تُمنح وقتها الكافي لتُروى / هدى زوين


بتاريخ مايو 25, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 6


بقلم : هدى زوين

ربما هي حكاية من وحي الحقيقة، أو هي الحقيقة نفسها حين تتخفّى خلف ذاكرة مثقلة بالتفاصيل. سنينٌ مضت، لم تكن عابرة كما يظنها البعض، بل كانت زمنًا مكتظًا بالتجارب، بالألم، وبمحاولات متكررة للنجاة. زمنٌ كُتبت فيه الأحرف على هوامش الحياة، وكأن كل لحظة كانت تُوثَّق بوثيقة غير مرئية، مرهونة بالبقاء نفسه.
في تلك المرحلة، لم تكن الحياة رفاهية، بل كانت اختبارًا يوميًا للقدرة على الاستمرار. اتسمت بعض المشاهد بالعفّة والشرف وحب الوطن، وكأنها كانت نقاط الضوء الوحيدة في مساحة واسعة من العتمة. لكن خلف هذا الضوء، كانت هناك تعقيدات لا تُقال، وأفكار تتسلل بهدوء، تخرج أحيانًا عن حدود المفاهيم الجاهزة، عن تلك التصنيفات التي تختصر الإنسان بين “حرّ” و”مقيّد”، بينما الواقع كان أوسع وأقسى من ذلك بكثير.
كان الإنسان هناك لا يعيش فقط، بل يقاوم. يقاوم الفقد، يقاوم الخوف، يقاوم فكرة أن يكون مجرد رقم في ذاكرة زمن لا يرحم. وفي لحظات كثيرة، ظهرت مهارات غير متوقعة، كأنها ولدت من رحم الضرورة، لا من رفاهية الاختيار. مهارات للبقاء، للفهم، للالتفاف على الألم، ولإبقاء الروح واقفة مهما انكسر الجسد.
لكن الحياة لم تكن تمنح فرصًا متساوية. فبينما كان البعض يحاول أن يتشبث بأي معنى، كانت هناك جدران غير مرئية تُبنى حوله؛ جدران من الخوف، من التناقض، وأحيانًا من الهوى حين يتحول إلى قيد آخر لا يقل قسوة عن غيره. وهكذا، كانت المسيرة طويلة، متعبة، محمّلة بتفاصيل لا تُروى بسهولة: خوفٌ يتكرر، وأملٌ يتراجع، وإصرارٌ لا ينطفئ رغم كل شيء.
في قلب هذا المشهد، كان الصراع الحقيقي: صراع من أجل البقاء. ليس فقط بقاء الجسد، بل بقاء المعنى، بقاء الكرامة، بقاء الفكرة أن الإنسان يستحق أن يعيش، لا أن ينجو فقط. ومع ذلك، كان الوقت دائمًا أسرع. يسبق الخطى، يختصر المسافات، ويغلق الأبواب قبل أن تُفتح بالكامل.
وفي لحظة ما، لم يعد السؤال عن الحياة بقدر ما أصبح عن النجاة. لأن الموت لم يكن دائمًا حدثًا كبيرًا وصاخبًا، بل كان أحيانًا خفيفًا، مباغتًا، يخطف ما تبقى من حكاية دون إنذار. كأن الزمن نفسه قرر أن ينهي بعض القصص قبل أن تكتمل.
ومع ذلك، تبقى هذه التجارب أكثر من مجرد ذكريات. هي شواهد على زمنٍ لم يكن بسيطًا، وعلى بشرٍ عاشوا بين الاحتمالين: أن يستمروا أو يختفوا. وبين هذا وذاك، بقيت الذاكرة وحدها تحاول أن توازن الصورة، أن تفهم كيف يمكن للحياة أن تكون جميلة وقاسية في آنٍ واحد، وكيف يمكن للإنسان أن يقف على حافة الموت، ثم يصرّ على أن يسمي ذلك… حياة.

الوسوم: