د.عادل جعفر
استشاري الطب النفسي
في ثمانينيات القرن الماضي، واجه الجراح الألماني Kurt Semm عاصفة من الرفض داخل الأوساطالطبية. لم يكن الاعتراض على خطأ، بل على فكرة جديدة: إجراء العمليات عبر المنظار بدل الجراحةالمفتوحة. فقد طوّر أدوات جراحية دقيقة، واخترع جهاز نفخ البطن بثاني أكسيد الكربون، وأجرى أولاستئصال للزائدة الدودية بالمنظار عام 1980—خطوة بدت حينها أقرب إلى المغامرة.
لكن ما واجهه لم يكن نقدًا علميًا هادئًا، بل ما يشبه “محاكمة مهنية” قاسية؛ اتُّهم بالجنون، وطُلبفحصه عقليًا، ووصفت تقنياته بأنها “غير أخلاقية”، بل رُفضت أبحاثه، وطالب بعضهم بإيقافه عن العمل. ومع ذلك، استمر، حتى بدأت النتائج تتحدث: شفاء أسرع، ألم أقل، وندبات أصغر، ليتحوّل ما كانمرفوضًا إلى معيار ذهبي في الجراحة الحديثة.
هذه القصة ليست بعيدة؛ فبينما كان سيم يواجه رفضًا من داخل الوسط الطبي، يواجه الطبيب فيواقعنا ضغطًا من خارجه، حين يُحاصِر العرف العشائري الممارسة الطبية عند حدوث مضاعفات أو وفاةمريض—رغم أن ذلك جزء من طبيعة العمل الطبي.
في العراق، خاصة في المحافظات ذات الطابع العشائري مثل المثنّى، يلعب العرف العشائري دورًا مهمًافي حل النزاعات. لكن دخوله إلى المجال الطبي، خصوصًا عند حدوث مضاعفات أو آثار جانبية أو أخطاءغير متعمدة، قد يتحول إلى ضغط لا يفرّق بين الإهمال والمضاعفات المتوقعة رغم الالتزام بالأصول. وفي بعض الحالات، يصل الأمر إلى مطالبات مالية كبيرة، وأحيانًا تحت تهديد مباشر.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل قد يتصاعد هذا الضغط إلى مستويات أشد قسوة، حيث يواجه بعضالأطباء تهديدات تمسّ سلامتهم وممتلكاتهم، في ظل صعوبة توفير حماية قانونية كافية. ومع غيابالتفريق بين الخطأ الطبي والمضاعفات المتوقعة، يجد الطبيب نفسه أمام واقع لا يترك له مجالًا حقيقيًاللرفض؛ إذ يُفرض عليه الرضوخ لمطالب العشيرة كأمر واقع، ثم لا يجد بعد ذلك، في بعض الأحيان، سوىالتفكير بالهجرة كخيار للهروب من هذا الضغط المستمر. وتشير الوقائع إلى أن عددًا غير قليل منالأطباء اضطروا لهذا الرضوخ، بل إن بعضهم، خصوصًا من الجراحين، مرّ بهذه التجربة أكثر من مرة.
هذا الواقع يجعل الطبيب يعمل بحذر زائد، فيتجنب أحيانًا الحالات المعقدة أو القرارات الجريئة، حتى لوكانت في مصلحة المريض، وهذا في النهاية لا يصب في مصلحة المريض نفسه، لو أدركت جماعةالفصل العشائري ذلك.
في الطب النفسي مثلًا، يُعد العلاج بالصدمات الكهربائية خيارًا فعّالًا في حالات الاكتئاب الذهاني الشديد،خاصة عند فشل الأدوية أو ارتفاع خطر الانتحار. ورغم أن مخاطره منخفضة تحت إشراف مختص، فإنمجرد وجود احتمال، حتى لو كان ضئيلًا جداً، قد يدفع هذا بعض الأطباء إلى تجنّبه في بيئات عشائرية.
علماً أن الأمر يزداد تعقيدًا في بقية التخصصات، حيث تكون الحالات أكثر تشابكًا. وهذا لا ينعكس فقطعلى القرارات اليومية، بل يمتد إلى التعامل مع التقنيات الحديثة؛ إذ يتردد بعض الأطباء في تبنّيها خوفًامن تبعات المضاعفات المبكرة، وإن كان هذا العامل أقل تأثيرًا من غيره.
في مثل هذه البيئة الضاغطة ، يعمل الطبيب تحت ضغط مستمر، ما يدفع بعضهم للتفكير بالانتقال إلىمنظومات قانونية أوضح. والنتيجة نزف في الكوادر وتراجع تدريجي في جودة الخدمة.
كما أن العلاقة بين الطبيب والمريض تتأثر كثيراً ؛ فبدل أن تقوم على الثقة، تصبح علاقة حذرة، يخشىفيها الطبيب من العواقب، ويخشى المريض من نتائج لا يفهمها.
إن التقدّم الطبي لا يولد في بيئة بلا مخاطر، بل في بيئة تفرّق بين الخطأ الطبي والمضاعفات المتوقعة،وبين الإهمال والابتكار. وكما احتاج سيم إلى من يفهم فكرته، يحتاج طبّنا اليوم إلى قانون ومجتمعينظران أبعد من لحظة الألم….. عندها فقط يتحقق التوازن …نحمي الطبيب، ونصون حق المريض فيأفضل علاج ممكن.
