منصة ثقافية أدبية

من يحكم العراق فعلياً؟ الوزراء أم توازنات السلاح والنفوذ الإقليمي؟ / فاتن يوسف


بتاريخ مايو 25, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 9


 

فاتن يوسف

في كل مرة تُشكَّل فيها حكومة عراقية جديدة، يتكرر المشهد ذاته: خطابات عن “هيبة الدولة”، ووعود بالإصلاح، وتعهدات بحصر السلاح بيد الحكومة، ثم لا يلبث الواقع أن يكشف أن السلطة في العراق ليست مجرد مكاتب وزارية ولا قرارات تصدر من مجلس الوزراء، بل شبكة معقدة من التوازنات السياسية والعسكرية والإقليمية التي تتحكم بمصير الدولة أكثر مما تتحكم بها المؤسسات الرسمية نفسها

العراق اليوم لا يُدار وفق مفهوم الدولة التقليدية فقط، بل وفق معادلة حساسة تجمع بين النفوذ الحزبي، وقوة الفصائل المسلحة، والتدخلات الإقليمية، والمصالح الدولية، وهي معادلة جعلت أي وزير أو رئيس حكومة يتحرك ضمن مساحة ضيقة جداً مهما امتلك من شعارات أو نوايا إصلاحية. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يشغل المنصب؟ بل: من يملك القدرة على فرض القرار؟

منذ سنوات، تحولت الحكومات العراقية إلى حكومات “توازن” أكثر من كونها حكومات “سلطة”، الوزراء غالباً يصلون إلى مناصبهم عبر توافقات الكتل السياسية، وليس عبر مشروع حكومي مستقل، ما يجعل كثيراً منهم مدينين للقوى التي دفعت بهم إلى السلطة، هذه التبعية السياسية أفقدت الوزارات جزءاً كبيراً من استقلاليتها، وحولت بعض المؤسسات إلى ساحات نفوذ تتقاسمها الأحزاب وفق مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية

لكن التأثير الحاسم لا يتوقف عند حدود الأحزاب، فالفصائل المسلحة أصبحت لاعباً أساسياً في المشهد العراقي، ليس فقط بوصفها قوى أمنية أو عسكرية، بل كجهات تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً. بعض هذه الفصائل يمتلك حضوراً داخل البرلمان، وعلاقات إقليمية قوية، وقدرة على التأثير في القرارات الكبرى، بدءاً من الملفات الأمنية وصولاً إلى السياسة الخارجية والطاقة والاقتصاد

وهنا تدخل إيران باعتبارها أحد أبرز الأطراف المؤثرة في المشهد العراقي، فطهران تنظر إلى العراق باعتباره عمقاً استراتيجياً وأحد أهم ساحات نفوذها في المنطقة، لذلك حافظت لسنوات على شبكة علاقات قوية مع قوى سياسية وفصائل مسلحة عراقية، ما منحها تأثيراً واضحاً في كثير من الملفات الحساسة، وفي المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنفوذ سياسي وأمني واقتصادي داخل العراق، وتضغط باستمرار لتقليص نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، خصوصاً بعد الهجمات التي استهدفت المصالح الأميركية خلال السنوات الماضية

هذا الصراع غير المعلن بين واشنطن وطهران جعل العراق يعيش في منطقة رمادية؛ فلا هو قادر على الانفصال الكامل عن النفوذ الإيراني، ولا يستطيع تجاهل الضغوط الأميركية،والحكومة العراقية تجد نفسها دائماً في موقع الوسيط أو الموازن بين الطرفين، خوفاً من الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو عقوبات خارجية أو انهيار سياسي

لكن الأزمة العراقية لا تتعلق فقط بالسلاح والنفوذ الخارجي، بل بمنظومة فساد مترسخة أصبحت جزءاً من بنية السلطة نفسها، فخلال أكثر من عقدين، أُنفقت مئات مليارات الدولارات على مشاريع الكهرباء والبنى التحتية والخدمات، إلا أن النتائج على أرض الواقع ما تزال كارثية، العراقيون يعيشون صيفاً خانقاً مع ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وشوارع متهالكة، ومشاريع متوقفة، وشبكات ماء وصرف صحي تعاني الانهيار في كثير من المدن

الفساد في العراق لم يعد مجرد تجاوزات مالية معزولة، بل تحول إلى شبكة مصالح متداخلة بين بعض الأحزاب والمتنفذين والمسؤولين، حيث تُمنح العقود وفق الولاءات السياسية، وتُهدر الأموال في مشاريع وهمية أو ناقصة، فيما يبقى المواطن يدفع الثمن يومياً من حياته واستقراره، ملف الكهرباء تحديداً أصبح مثالاً صارخاً على عجز الحكومات المتعاقبة، فبرغم الإنفاق الهائل منذ عام 2003، ما تزال الأزمة قائمة وكأن الدولة تبدأ من الصفر كل صيف وتلجأ إلى حلول ترقيعية

الأخطر من ذلك أن الفساد نفسه أصبح مرتبطاً أحياناً بمعادلات النفوذ السياسي والسلاح، ما يجعل محاسبة المتورطين أمراً بالغ الصعوبة، فبعض الشخصيات أو الجهات تمتلك غطاءً سياسياً أو نفوذاً أمنياً يحول دون فتح ملفات حساسة، وهذا ما جعل المواطن يفقد ثقته تدريجياً بقدرة الدولة على الإصلاح الحقيقي، والبعض انخرط في منظومة الفساد ليستفيد من حالة الفوضى

ومع تصاعد الضغوط الأميركية لحل أو تقليص نفوذ الفصائل المسلحة، تبدو الحكومة العراقية أمام معركة مزدوجة: مواجهة النفوذ المسلح من جهة، ومحاولة تفكيك شبكات الفساد من جهة أخرى. لكن المشكلة أن هذين الملفين متداخلان في كثير من الأحيان، ما يجعل أي خطوة إصلاحية محفوفة بالمخاطر السياسية وربما الأمنية أيضاً

المواطن العراقي اليوم لا يسأل كثيراً عن طبيعة التوازنات الإقليمية بقدر ما يسأل: لماذا لا توجد كهرباء مستقرة؟ لماذا تتعطل المشاريع؟ أين ذهبت الأموال؟ ولماذا تبدو الدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات رغم الثروة النفطية الهائلة؟ هذه الأسئلة أصبحت أخطر على الحكومات من الخلافات السياسية نفسها، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس وثقتهم بالنظام السياسي

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال المشهد العراقي بفكرة “الدولة المنهارة” فقط، لأن العراق لا يزال يمتلك مؤسسات رسمية وجيشاً وأجهزة أمنية وقدرة مالية كبيرة وثقلاً سياسياً مهماً في المنطقة، لكن المشكلة تكمن في غياب القرار الموحد، وفي استمرار منطق التسويات الذي يمنع بناء دولة تمتلك سلطة حقيقية فوق جميع القوى الأخرى

الحكومة العراقية اليوم تقف أمام اختبار مصيري: هل تستطيع التحول من حكومة تدير التوازنات إلى حكومة تفرض سلطة الدولة وتحاسب الفاسدين وتعيد ثقة الشارع؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالوزراء أو برئيس الحكومة، بل بطبيعة النظام السياسي كله، وبمدى استعداد القوى النافذة للتخلي عن جزء من نفوذها لصالح مؤسسات الدولة

حتى الآن، يبدو أن العراق ما زال محكوماً بمعادلة معقدة: الوزراء يديرون الدولة شكلياً، لكن القرار النهائي يمر عبر شبكة طويلة من التوازنات السياسية والسلاح والنفوذ الإقليمي ومصالح الفساد، ولهذا، فإن أي حكومة جديدة قد تنجح في إدارة الأزمات مؤقتاً، لكنها ستبقى عاجزة عن بناء دولة مستقرة بالكامل.

الوسوم: