رغد الحيالي
في لحظةٍ بدت مفاجئة، عاد ملف الطاقة في العراق ليتصدر المشهد، ليس بوصفه أزمة تقنية عابرة، بلكمرآة تعكس عمق الصراعات الداخلية وتعقيداتها. فالنقص المفاجئ في إمدادات الغاز لم يكن حدثًامعزولًا، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وأمنية، تتشابك فيها المصالح المحلية مع الضغوطالإقليمية، لتكشف مرة أخرى هشاشة البنية التحتية واعتماد البلاد الكبير على الخارج.
يعتمد العراق بشكل ملحوظ على استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، وهو اعتماد لم يُبنَ علىاستراتيجية طويلة الأمد، بل جاء كحلٍ مؤقت تحول مع الزمن إلى قاعدة ثابتة. ومع أي خلل فيالإمدادات، سواء لأسباب فنية أو سياسية، تتعطل منظومة الطاقة بأكملها، لتنعكس مباشرة على حياةالمواطنين. وهنا، لا يمكن فصل أزمة الغاز عن واقع الانقسام السياسي، حيث تتباين الرؤى بين الأطرافالمختلفة حول كيفية إدارة الموارد، وتغيب الإرادة الموحدة لتطوير حلول جذرية.
الصراع الداخلي لا يظهر فقط في الخطاب السياسي، بل يتجسد أيضًا في ضعف التنسيق بين المؤسسات،وتأخر تنفيذ المشاريع الحيوية. فالعراق، رغم امتلاكه لثروات هائلة من الغاز المصاحب، لا يزال يحرقكميات كبيرة منه بدل استثماره. هذه المفارقة ليست مجرد خلل تقني، بل نتيجة مباشرة لسوء الإدارة،وتضارب المصالح، وغياب التخطيط الاستراتيجي. وبينما تتكرر الوعود بإنهاء هذه الظاهرة، يبقى التنفيذبطيئًا، وكأن الأزمة تُدار لا تُحل.
في خلفية المشهد، تلعب العوامل الإقليمية دورًا لا يقل أهمية. فالعراق يجد نفسه أحيانًا عالقًا بينضغوط متناقضة، تتعلق بعلاقاته مع الدول المصدّرة للغاز من جهة، والتزاماته الدولية من جهة أخرى. هذه المعادلة المعقدة تجعل أي قرار في ملف الطاقة محاطًا بحسابات دقيقة، قد تؤخر الحلول أو تحدّمن فعاليتها.
ومع ذلك، فإن معالجة أزمة الغاز ليست مستحيلة، بل تتطلب أولًا الاعتراف بأن المشكلة داخلية قبل أنتكون خارجية. الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير حقول الغاز المحلية، وإنهاء ظاهرة الحرق، كلهاخطوات أساسية يمكن أن تقلل الاعتماد على الاستيراد. لكن الأهم من ذلك هو بناء توافق سياسي حقيقييضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة، ويمنح المؤسسات القدرة على العمل بكفاءة واستقلالية.
كما أن تنويع مصادر الطاقة، عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة، يمكن أن يشكل مخرجًا استراتيجيًايخفف الضغط عن قطاع الغاز. فالعراق يمتلك إمكانيات كبيرة في هذا المجال، لكن استغلالها لا يزالمحدودًا بسبب غياب الرؤية الشاملة والدعم الكافي.
في النهاية، تبقى أزمة الغاز في العراق أكثر من مجرد نقص في مورد حيوي؛ إنها اختبار لقدرة الدولة علىإدارة مواردها، وتجاوز صراعاتها الداخلية. وبينما ينتظر المواطن حلولًا ملموسة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي، أم تبقى حلقة جديدة في سلسلة الأزماتالمتكررة؟
