الشيخ علي جواد الكيم
قال تعالى في كتابه العزيز : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا }
بعض الناس من يتصور أن التوبة ذكر من الأذكار المستحبة كالإستغفار والتسبيح والتهليل لما لها آثار بالآخرة كتخفيف العقوبة على أصحاب الذنوب و لهم مزيد من الحسنات وتقربهم الى مرضاة الباري تعالى ، و لها آثر بالدنيا تجلب الستر على العاصين وتفتح أبواب الرزق والشعور القلبي بالإيمان وتبدل السيئات الى حسنات وغير ذلك ،ولكن من تصور أن حكمها مستحب غير صحيح ومن أجل رفع هذا التوهم والتصور الخاطئ عن حكمها سنتعرض الى بيان حقيقة التوبة اولا ،ثم ماهو حكمها في الشريعة .
تعريف التوبة: هي الندم على ما فات على وجه التوبة إلى الله عز وجل، وشرطها هو العزم على ترك المعاودة إلى مثل ذلك الذنب في جميع حياته.
حكم التوبة: الوجوب العيني على كل مكلف إرتكب الذنوب، وجب عليه أن يتوب من ذنوبه التي إقترفها سواء ترك واجبات كالصلاة والصيام والحج …الخ ، أم إرتكب المحرمات بالتجاوز على حدود الله تعالى وعلى حقوق الآخرين او مع نفسه كتعريضها للإهانة والإستخفاف .
وقد يسال سأل: ماهو الدليل على وجوب التوبة على كل إنسان مكلف ؟.
فيرد الجواب بدليلين :
1- الدليل القرآني والروائي : ورد في الدليل القراني بيان وجوب التوبة كما في قوله تعالى 🙁 وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا ) وغيرها من الآيات الحاثة على التوبة كلها وردت بصيغة الأمر – توبوا – أي تجب التوبة على كل عبد عاص ومخالف وتارك الوجبات وفاعل للمحرمات فعليه وجوب التوبة من قبائح الأفعال المنهي عنها او لتركه ماوجبه الله على عباده الإتيان بها، فالله تعالى بعدله لايساوي بين الانسان المطيع والعاصي كما كما بين في محكم كتابه : ({مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} فجعل للمطيع الثواب وجنة عرضها السموات والأرض وأعد للمذنب العاصي جزاؤه جهنم وهذا بدليل الآية المباركة {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} اي من يتصور أنه يرتكب الذنوب والمعاصي فليس له محيص من العقاب فالله تعالى يخبره بخبر يقين بما لاشك فيه انهم لايجدون مهربا ولا ملجأ من جهنم التي لاتبقي ولا تذر وهذا سخط عظيم ومهول و لاطاقة للإنسان الكائن الضعيف الذي أخبرنا الله تعالى بضعفه بقوله : { وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} .
وما ذكر في الدليل الروائي الذي أشار اليه أمير المؤمنين عليه ×السلام في الدعاء (يا رب وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها ، وما يجري فيها من المكاره على أهلها . على أن ذلك بلاء ، ومكروه قليل مكثه ، يسير بقاؤه قصير مدته فكيف احتمالي لبلاء الاۤخرة ، وجليل وقوع المكاره فيها ، وهو بلاء تطول مدته ، ويدوم مقامه ، ولا يخفف عن أهله لأنه لا يكون الا عن غضبك ، وانتقامك ، وسخطك . وهذا ما لا تقوم له السموات والأرض . يا سيدي فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين ).يبين الامام× أن الانسان ضعيف لايتحمل مكاره الدنيا وشدائدها مع أن البلاء في الدنيا قليل مكثه قصير مدته فكيف بالعبد المذنكب أن يتعرض الى سخط جبار السموات والأرض ، وكما ورد في دعاء الإمام الحجة عج (الحَمْدُ للهِ الَّذِي مِنْ خَشْيَتِهِ تَرْعَدُ السَّماء وَسُكَّانُها وَتَرْجُفُ الأَرْضُ وَعُمَّارُها وَتَمُوجُ البِحارُ وَمَنْ يَسْبَحُ فِي غَمَراتِها ) هذه السماء ومن فيها كالملائكة ، و الأرض ومن فيها من الأنبياء والأئمة عليهم السلام والأوصياء ، والبحار و المحيطات والجبال والمخلوقات التي تعادل أضعاف حجم الإنسان كلها تخشى الله تعالى، إلا الانسان غير الملتفت الى ضعفه تراه يمشي مرحا ويقول متعجرفا رافعا لمنكبيه يرى نفسه فوق الجميع حتى يدركه الموت فهناك يبدأ الندم على مافات من عمره والحسرة على ماضيعه من قوته ولكن كما قال تعالى في كتبه الحكيم ({كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} لا مهرب ولا مخلص من الموت ، كما قال الشاعر مجسدا في ابياته هذه الحالة :
أعينيّ لم لا تبكيان على عمري تناثر عمري من يديّ ولا أدر ي
إذا كنت قد جاوزت خمسين حجةً ولم اتأهب للمعاد فما عذري
2- الدليل العقلي : هو إدراك الأشياء ومعرفة حسنها وقبحها .
من خلال تعريف التوبة :يجب على كل عاقل دفع الخطر عن نفسه ولو كان محتملاً وهذا ما يدركه العقل السليم فكيف بالخطر المتيقن بوعيده تعالى المخبر عنه بآياته والمصرح به بروايات المعصومين عليهم السلام .فيدرك الإنسان ويحكم بالوجوب على دفع الخطروالعقاب عن نفسه وبإسرع وقت وبلا تسويف من خلال التوبة التي جعلها الله تعالى تكون واجبة لأنها مقدمة لدفع الخطر ودفع الخطر واجب وتكون التوبة هي التي بها تمحى الذنوب لأنه بزوال الذنوب لا خطر ولا عقوبة ، فما دامت الذنوب موجودة فالخطر والعقاب موجود .
الأسباب الموجبة للتوبة:
اولاً: ترك العبادات الواجبة ومنها : الصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الواجبات وهذا لايكفي أن يقول الانسان كلمة استغفر الله و أتوب اليه لأن هذه العبارة لا تفي بتحقق التوبة بل لابد من قضاء ما فاته والإتيان بها مع الندم على مامضى من التقصير وعدم العود في مستقبل الأيام .
ثانيا : فعل المحرمات :والمحرمات هي: الإتيان بما نهى عنه الله تعالى كما ورد في الاية الكريمة { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} و تارة تكون بين الإنسان وربه تعالى كالذي يشرب او يأكل المحرمات ، وتارة الفعل الحرام بينه وبين الآخرين ،وهنا مع أنه لابد من التوبة والندم على مافات وعدم إرتكابه في المستقبل زيادة على ذلك إرجاع حقوق الناس التي سلبها منهم بالإكراه او أخذها بلا علمهم لابد أن يرجعها إليهم كاملة العين والمنفعة .
