منصة ثقافية أدبية

إيران والصراع من أجل البقاء .. حرب وجودية ضد المشروع الصهيو-أمريكي


بتاريخ أبريل 5, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 5


 

جعفر محيي الدين _النجف

الحرب كما وصفها ابن  الشاه بهلوي الذي يمني النفس بالعودة الى الإمبراطورية الشاهنشاهية، بالرغممن سذاجته، إلا أن الوصف كان دقيقاً في جوهر الصراع، فهو يلتقط طبيعة المواجهة كحرب وجودية علىالمصالح والسيطرة والوجود، وليست مجرد مواجهة شكلية. هذه الحرب بين إيران والمحورالصهيوأمريكي أشبه بالحرب الصليبية، لا تقبل القسمة، وستستمر بطرق أخرى اذا توقف اطلاق النارفيها، إلى حين يقضي أحد الطرفين على عدوه. كما ان مصلحة الأمة كلها في انتصار إيران المطلق، لأنالبديل يعني الفراغ الاستراتيجي الذي سيسمح للمحور الصهيوأمريكي بتنفيذ خططه دون معارضة، بمايشمل السيطرة على الأراضي، والقضاء على المقاومة، وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحهم فقط،وهو ما يجعل الوضع كارثياً على الأمة وشعوبها.

وأي محاولة لوقف إطلاق النار أو هدنة لن توقف مسار الصراع الحقيقي، انما في الغالب تكون من صالحإسرائيل وأمريكا، لان ستمنحهم فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم وتجهيز خططهم، مما يمنح المحورالصهيوأمريكي أفضلية استراتيجية واضحة.

وهذا لا يوجد الان في قاموس إيران لأنها في الواقع تواصل صراعها دون توقف، فهذه الحرب اندلع  لأنإسرائيل وأمريكا تواجهان خطر وجودي يتمثل في الحلف المقاوم بقيادة الجمهورية الإسلامية، فإذاقضت إسرائيل على الحلف المقاوم داخل إيران، أو حصلت على هدنة مؤقتة، فإنها لن تكتفي بذلك، انماستسعى لإزالة الخطر الآخر، وهو حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين، والحوثيون في اليمن،والفصائل المساندة في العراق، وكل خطوة تمثل جزء من استراتيجية المحور الصهيوأمريكي لضمانالهيمنة على المنطقة وتقويض أي تهديد لمشروعهم.

وبعدها ستلتفت إسرائيل إلى غزة لتعاود تهجيرها والسيطرة على أي حركة معارضة للمشروع داخلها،وهذا يوضح أن السيطرة على الأراضي الحيوية هي جزء من المخطط الأوسع، وأن الحرب لا تقتصر علىالقضاء العسكري على الخصوم، فهي تشمل إعادة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي بما يخدمأهداف المشروع. وحتى إذا نجحت إسرائيل في القضاء على مقاوميها المباشرين، فإنها ستنقلب علىأصدقائها لا محالة، وهذا ما يعكسه صريحاً نتنياهو عندما يقول إنه سيغير خارطة المنطقة، بدءاً منمصر التي تعد الأولى في الطابور المستهدف لقربها من غزة، حيث تضرب اتفاقية السلام عرض الحائطإذا اقتضت مصالح المشروع الاستراتيجي.

فالسبيل الوحيد لإنقاذ المنطقة من مخاطر المشروع الصهيوأمريكي هو إحداث تغيير جذري في النظامالسياسي الإسرائيلي الآن. وهذا المشروع لا يقتصر تأثيره على مصر وحدها، فهو يمتد أيضاً ليشمل الأردنوسوريا بالرغم من صداقتهما الحميمة مع إسرائيل، وتليهم تركيا بعدهم، لأن إسرائيل تعتبر تركيابالتحديد تهديد مباشر لوجودها. كما صرح أردوغان مؤخراً، المقاومة في فلسطين تمثل خط الدفاعالأول للأناضول.

فإن أهمية هذا السبيل تكمن في أنه يمثل الخيار الواقعي الوحيد لإعادة التوازن الإقليمي، ويمنع إسرائيلمن الاستمرار في تنفيذ سياساتها الأحادية التي تهدد مصالح الدور الايراني والدول المجاورة. وأي تغييرجذري في النظام السياسي الإسرائيلي وفق هذا السبيل يعني إعادة ضبط السياسات، الحد من التصعيد،وإتاحة الفرصة للمنطقة لتقليل المخاطر وتحقيق استقرار نسبي. كما أن الحل الأمثل للأزمة الراهنة لايمكن أن يأتي إلا من خلال هذا المسار، لأنه وحده القادر على حماية مصالح الدول والشعوب فيالمنطقة ومنع المشروع الصهيوأمريكي من استغلال الفراغ أو الصراعات الداخلية لتحقيق أهدافه.

لذا أقول إن الحرب اليوم هي حرب وجودية، وقد وصلت  إلى حالة من الخطر الذي يقع على المقاوموالمسالم على حد سواء، فكل العرب في نظر إسرائيل فلسطين. وهنا يظهر التحدي بالنسبة لدولالخليج، فموقفهم اليوم متباين ،فبعض الدول تحاول الابتعاد أو التفاوض في الظاهر، لكن إسرائيل لاتعترف بالحياد أو الصداقة، وأمريكا لا تعتبر هذه الدول حلفاء حقيقيين في هذا الصراع. ولهذا فإن أيغموض أو تردد في دعم الدور الايراني يجعلها عرضة لضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، وقد تستغلإسرائيل هذا التشتت للتحكم في القرار الخليجي بما يخدم مشروعها الإقليمي.

أما بالنسبة للضربات الإيرانية على منطقة الخليج، فهي لا تستهدف السياسة الخليجية شخصياً، انماتستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة. وهذا يوضح أن أي فعل أمريكي أو إسرائيلي من أراضي الخليجلا يمكن أن تمر بلا رد فعل من إيران، فلكل فعل ردة فعل محسوبة. كما ان الصداقة مع الأمريكيين أوالإسرائيليين لا تعطي الحماية المطلقة، لان نتائجها تظهر في إطار الصراع الإقليمي، وأي محاولة للتقليلمن الدور الإيراني أو الابتعاد عن محور المقاومة تجعل هذه الدول تحت تأثير مباشر للصراع.

وبناءً على هذا الواقع الاستراتيجي، يصبح واضح أن الخليج لابد أن يعود إلى أحضان الشرق الأوسط. الحضن الغربي لم يعد يوفر الأمان الذي كان موجوداً في السابق، والاعتماد الكامل عليه لم يعد ضمانللحماية، فهو أصبح يفتح المجال لتأثير مباشر على القرار والسياسات الخليجية. فالعودة إلى البيئةالإقليمية، والمشاركة الفعلية في محور المقاومة والتوازنات الإقليمية، هي السبيل الوحيد لضمانالاستقرار وحماية مصالح المنطقة في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي.

ولهذا السبب تطمح إسرائيل إلى تغيير النظام في إيران، لأنه يعد شريكا مستقبليا ومواليا لأمريكاوإسرائيل مقارنة بأي نظام آخر في المنطقة، ويكون أكبر من وجود ممن يحسبون انفسهم اصدقاء اوحلفاء في المنطقة، لأن إيران تمثل البوابة الأخيرة للمشروع الصهيوني، كما كان العراق بوابة الشرق عندبدء المشروع منذ عام ٢٠٠٣، وهذا يوضح أن الرهان على إيران ليس مسألة شرف أو دين أو وطنيةفحسب، انما مسألة بقاء وجودي للأمة وللتوازن الإقليمي، والرهان عليها سيكون رابحاً إذا لم يخذلبعضنا البعض.

وفي حال بلغت إسرائيل مرادها من هذه الحرب، فلن تبقى لأي دولة عاصمة، فلا مجال للحياد في هذاالأمر، لأنها ستملك زمام المبادرة عندها، وعليه من الضروري اليوم تحديث المنصات التي تجمع العالمالإسلامي، لتصبح أدوات فاعلة في توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، وتنسيق المواقف بدل التشتت،حتى لا يفلح العدو في هذه الحرب العامة إلا إذا أصبحت الحرب عامة. كما أنه ومن الضروري أيضاً قطعالطريق أمام تجار السلاح، لأنهم في الواقع يمثلون امتدادا مباشرا للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة. لان تجارة السلاح لا تقتصر على المسدس والبندقية فحسب، فهي تشمل التلاعب بالأسواق، وخلقأزمات، وثم استغلال الصراعات السياسية والعسكرية لصالح الهيمنة الخارجية. فهؤلاء التجار ليسوامحايدين، انما يعملون كأدوات استراتيجية تسمح للعدو بالتحكم في السياسات الداخلية والخارجيةللدول، واستنزاف الموارد، وإطالة أمد الصراعات، بما يحقق مصالح المحور الصهيوأمريكي.

بالتالي، أي تحرك واقعي لحماية مصالح الأمة والمنطقة لا يمكن أن يغفل هذا البعد الاقتصاديوالسياسي. فقطع الطريق أمام هؤلاء التجار ليس مجرد إجراء أمني، بقدر ما هو جزء من المعركة الشاملةلمواجهة المشروع الصهيوأمريكي، وضمان أن تكون القوة والسيطرة في المنطقة بيد أصحابالمصلحة الحقيقيين وليس في أيدي أدوات خارجية تعمل لصالح أجندة الهيمنة.

كما الواقع اليوم يظهر بوضوح أن استمرار التشتت في المواقف يعطي الفرصة لمن يريد استمرار النزاعوتحقيق مصالحه، وأن الرهان على وحدة الصف وفهم طبيعة الحرب وربط الصراع العسكري بالبعدالاقتصادي والسياسي هو السبيل الوحيد لفهم التحولات القادمة في المنطقة، وبدون هذا الفهم يصبحالجميع عرضة لأن تكون القرارات الاستراتيجية تحت سيطرة من يستفيد من استمرار النزاعات، ممايجعل وحدة الموقف والوعي بمصالح الأمة ضرورة وجودية لا يمكن تجاهلها.

الوسوم: