منصة ثقافية أدبية

ماذا بقــي من الشيوعيــة العراقيـــة؟


بتاريخ مايو 9, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 9


يـحيـى رعـــد

في الذاكرة العراقية، لا تظهر الشيوعية دائماً كحزب أو بيان أو شعار أحمر؛ إذ تطل أحياناً كحكاية عن رجل خرج من السجن ولم يساوم، أو كمعلم فقير يرفض الهدية الصغيرة، أو كحامل أفكار عاش قريباً من المهمشين والطلبة والمقاهي الشعبية. هذه الصورة منحت الرفاق احتراماً خاصاً، لكنها صنعت حولهم معضلة صامتة: حين تتحول الحركة السياسية إلى سيرة أخلاقية، يبدأ الناس في تقديرها كما يقدّرون شاهداً نزيهًا، لا كما يختارون قوة قادرة على إدارة حياتهم.

يتوارى سر الفشل الناجح في ذلك الانشطار؛ حضورٌ في الوجدان وغيابٌ عن مركز السلطة. لم يختفِ اليسار العراقي من الوجدان، لكنه لم يتحول إلى مركز ثابت في السلطة. بقي حاضراً كمعيار للنزاهة، كذاكرة احتجاج، كلغة عن الكادحين والأجراء والنساء والدولة المدنية. في المقابل، ظل حضوره العملي أضيق من هذا الاحترام. الناس قد تمدح نصير الفقراء في الجلسات، ثم تمنح صوتها لمن يملك وظيفة، واسطة، حماية، أو قدرة على الوصول إلى الدائرة الحكومية. السياسة في العراق لم تكن منافسة أفكار وحدها، وقوامها صراع الأبواب والمفاتيح.

تنفلت التجربة من قيدي التبجيل والشماتة حين ننظر إليها كـ “ضمير معارض” عجز عن التحول إلى “جهاز اجتماعي”. نجح أصحاب الراية الحمراء في إنتاج ذلك الضمير، وفشلوا غالباً في بناء منظومة تحمي مصالح الناس اليومية. الضمير يقول للمحروم إن فقره ظلم، بينما يساعده الجهاز على السكن، والعمل، والعلاج، والأمان. وبين الاثنين مسافة كبيرة؛ فالحركة التي تعجز عن عبور هذه الفجوة تبقى محترمة، دون أن تصبح ضرورة يومية.

جسدت وثبة كانون 1948 ذلك الانكشاف؛ حيث خرج الطلبة والعمال وجماعات شعبية ضد معاهدة بورتسموث، وكان الشيوعيون جزءاً من موجة أوسع لا يملكونها وحدهم. لا تكمن أهمية الحدث في عدّه فصلاً من تاريخ التنظيم، وإنما في كشفه عن شيء أعمق: حين شعر العراقيون أن القرار الوطني يُصنع فوق رؤوسهم، وجد الخطاب اليساري أرضاً جاهزة. لم يكن الناس بحاجة إلى درس طويل في النظرية كي يفهموا معنى التبعية والظلم والصوت المسلوب. الشارع سبق الكتاب، والغضب سبق الهيكل القيادي.

غير أن الغضب لا يبني وحده سياسة مستقرة. يقول الفيلسوف الإيطالي غرامشي: «كل إنسان مثقف، لكن ليس كل إنسان يؤدي وظيفة المثقف في المجتمع»؛ لقد أعطت تلك المسيرة لنخبة المقاهي وظيفة واضحة: أن ينحازوا إلى الناس، ويترجموا الألم إلى لغة عامة، ويجعلوا الفقر شأناً سياسياً. هذه الوظيفة منحتهم نفوذاً رمزيًا، لكنها حملت خطراً داخلياً تمثل في تضخم دور صاحب القلم على حساب بناء أدوات أوسع. حين يصبح الخطاب أذكى من المؤسسة، والقصيدة أقوى من التنظيم، والسمعة أنظف من البرنامج، يتسع الأثر ويضيق الفعل.

تبيّن الشرخُ أكثر بعد 2003. العراق صار بلداً يحتاج إلى من يفهم العامل الجديد: سائق التطبيق، موظف العقد، المدرس الأهلي، الخريج العاطل، المرأة التي تعمل براتب هش، والمريض العالق بين مستشفى متعب وعيادة مكلفة. كثير من لغة الفكر التقدمي بقيت مشدودة إلى صور قديمة: الكادح التقليدي، الفلاح، النقابة، المنشور، المُنظّر. أما الاستغلال الجديد فجاء بملابس مختلفة: قسط جامعة، إيجار بيت، عقد مؤقت، شركة أهلية، تطبيق يقيّم العامل بنجمة، ودولة تطلب من المواطن واسطة كي تمنحه حقه.

ارتهنت القوة السياسية لأبناء فهد ببعدها الطهري، متناسية أن النزاهة لا تطعم جائعاً يبحث عن خدمة أو حماية. النزاهة مهمة، لكنها لا تكفي حين يسأل المواطن عن الفرصة. والتضحية تمنح شرعية، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الشاب: كيف أعيش؟ الذاكرة تمنح دفئاً، لكنها قد تتحول إلى متحف إذا لم تدخل الأزقة الجديدة التي تغيّر فيها شكل الاحتياج.

لا يمثل ما بقي من هذا التيار انتصاراً مخفياً أو هزيمة كاملة. بقيت مفردات دخلت الحياة العامة: العدالة، الكرامة، الدولة المدنية، رفض الفساد، حق العامل والمرأة. وبقي درس قاسٍ لأي يسار قادم: لا يكفي أن يكون صوتك نظيفاً؛ بل يجب أن يكون نافعاً، قريباً، منظماً، قادراً على تحويل الاعتراض إلى حماية يومية. ما زال الرفيق القديم يجلس في المقهى بنزاهته التي لا تشوبها شائبة، بينما يمرّ من أمامه الشاب العاطل باحثاً عن “واسطة” في حزبٍ يملك مفاتيح التعيينات، يتبادلان نظرة غريبة؛ أحدهما يملك الضمير، والآخر يحتاج إلى واقعٍ لا يرحم.

الوسوم: