منصة ثقافية أدبية

حضورٌ يُلغي وجوداً.. إيران والعقدة العربية الصامتة


بتاريخ أبريل 5, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 6


حسن عبد الهادي العگيلي، كاتب وباحث في الشؤون السياسية

ثمة فرقٌ جوهري بين الخصومة السياسية وبين العقدة النفسية المتجذّرة، فالخصومة تُبنى على مصالحمتعارضة وحدود متنازَع عليها ومطامع متقاطعة، أما العقدة فهي شيءٌ آخر تماماً؛ إنها ذلك الضيقالغامض الذي يساور صاحبه حين يرى في الآخر ما يفتقر إليه هو، حين يجد في حضور الغير ما يُعرّيغيابه عن نفسه. وحين نتأمل الموقف العربي الرسمي من إيران، لا نجد خصومةً بالمعنى الصريح بقدر مانجد عقدةً بالمعنى العميق.

فما الذي تمثّله إيران في الوجدان السياسي العربي الرسمي حتى يبلغ الكره هذا المبلغ، وحتى تُرصد لهالموازنات وتُعبّأ له الطاقات وتُستنزل له علاقات مع قوى أجنبية ما كان لها أن تتدخل لولا هذه الدعوةالمُلحّة؟ الإجابة الصادقة، وإن كانت مؤلمة، هي أن إيران تحضر حيث تغيب هذه الحكومات، وتصمدحيث تتهاوى، وتقوللاحيث تسارع هي إلى القبول. إن حضور إيران فضيحةٌ ضمنية لغياب سواها.

منذ انتصار ثورتها عام 1979، وإيران تخوض حرباً وجودية حقيقية لم تُعلَن رسمياً لكنها جرت بكلأسلحتها؛ فقد شنّت عليها دولٌ عربية بتحريض غربي حرباً استنزافية دامت ثماني سنوات، سقط فيهامئات الآلاف وأُريقت دماء على امتداد الأهوار والجبال، ثم لم يمضِ عقدٌ واحد حتى شُنّت عليها حربٌاقتصادية من خلال منظومة العقوبات الأكثر شمولاً في التاريخ الحديث، عقوبات أُريد لها أن تُركّع هذاالشعب وتُذلّ هذه الدولة وتحمل قيادتها على الاستسلام. وفوق ذلك كله، خاضت إيران حرباً سرية لاتنتهي من اغتيال علمائها النوويين في الشوارع، ومن الاختراق الاستخباراتي، ومن العمليات التخريبية فيمنشآتها. ومع ذلك كله، ها هي إيران قائمةٌ، دولةً وشعباً وإرادةً.

هذا الصمود هو مربط الفرس في فهم العقدة. فالحكومات العربية التي تكنّ هذا الكره لإيران هي ذاتهاالتي لم تصمد في وجه ضغطٍ واحد، التي سارعت إلى التطبيع حين طُلب منها ذلك، والتي أسلمتقضاياها الكبرى في مقابل ضمانات أمنية وصفقات أسلحة. إيران بصمودها تجعل الاستسلام مجرد خيار،لا حتمية، وهذا ما لا يُطاق. فإذا كانت إيران قادرةً على مقاومة العقوبات والحصار والحرب والاغتيالاتوالعزل الدولي، فماذا يكون مبرر من استسلم قبل أن يُحاصَر؟

ثمة بُعدٌ آخر لهذه العقدة يتصل بالشرعية الشعبية. إيران، على اختلاف المرء معها أو مع سياساتها، بنتحضورها في المنطقة العربية لا بالقوة العسكرية وحدها، بل لأنها حملت خطاباً يملأ فراغاً تركتهالحكومات العربية فارغاً على امتداد عقود؛ خطاب المقاومة والرفض والكرامة الوطنية. حين سكتتالحكومات العربية عن غزة، لم يسكت الخطاب الإيراني. حين تحوّلت الجامعة العربية إلى منتدىللبيانات الفاترة، كانت طهران تبني جسوراً مع قوى الرفض من بيروت إلى غزة إلى صنعاء. ولهذا بالضبطيُصوَّر هذا الحضور على أنهتدخلوتوسعومشروع هيمني، لأن تسميته بما هو عليه فعلاً، وهوملء فراغ تركته الحكومات العربية، يعني الاعتراف بهذا الفراغ ذاته.

والمفارقة المؤلمة أن الكره الرسمي لإيران يسير في اتجاه معاكس لمشاعر الشارع العربي في أغلبالأحيان. الشعوب العربية التي تُشيّع في وسائل الإعلام الرسمية لمعاداة إيران هي ذاتها التي ترى فيمقاومة حزب الله انتصاراً في 2006، وفي صمود غزة المدعومة بخيوط إيرانية بطولةً تستحق الإجلال. هذه الهوّة بين الموقف الرسمي والوجدان الشعبي لا تكشف عن تناقض في الشعب بل تكشف عنانفصام في الحكومة، عن دولةٍ تعبّر عن أصحاب العقود مع واشنطن لا عن أصحاب الأرض والتاريخ.

لا يعني هذا أن إيران بلا أخطاء أو بلا حسابات خاصة، فالدول لا تُدار بالنوايا الطاهرة، وطهران كسائرالعواصم تحرّكها مصالحها وتوجّهها إيديولوجيتها وتُقيّدها تناقضاتها الداخلية. غير أن الحكم على دولةٍيجب أن يُوزَن بميزان واحد لا بميزانين، وحين نُدين التدخل الإيراني ونصمت عن التدخل الأمريكيوالتدخل الإسرائيلي والتدخل التركي، فنحن لسنا بصدد نقدٍ موضوعي بل بصدد انتقاء انتقامي يكشفعن دوافعه قبل أن يُخفيها.

في نهاية المطاف، مشكلة الحكومات العربية مع إيران ليست جيوسياسية بالدرجة الأولى، إنها وجودية. إيران تسألها، بمجرد وجودها، سؤالاً لا تريد الإجابة عنه: لماذا لم تصمدوا؟

الوسوم: