محمد عبد الجبار الشبوط
في كل دورة انتخابية تقريباً يدخل النظام السياسي العراقي في مأزق يتكرر بصورة تكاد تكون نمطية: انتخابات تُجرى، وبرلمان يتشكل، لكن الطريق إلى اختيار رئيس مجلس الوزراء يتحول إلى عملية طويلةمن المساومات والتعطيل والصراعات السياسية. لا يكمن الخلل في الأشخاص بقدر ما يكمن في بنيةالآلية التي يتم من خلالها إنتاج السلطة التنفيذية، إذ إن الدستور العراقي وضع صيغة عامة لتكليف“الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بتشكيل الحكومة، لكنه ترك مساحة واسعة للتأويلات والتنازع السياسي،الأمر الذي جعل هذه المادة نفسها تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر للأزمة بدلاً من أن تكون طريقاًللحل.
إن التجربة العراقية منذ عام 2005 تكشف بوضوح أن آلية اختيار رئيس الوزراء تحولت عملياً إلىمفاوضات مفتوحة بين القوى السياسية، تمتد أحياناً لأسابيع أو أشهر، وتنتج حكومات توافقية هشةتقوم على توزيع المناصب بدلاً من بناء برنامج حكومي واضح. والنتيجة أن الدولة تدخل في حالة شللمؤقت، فيما تتراجع ثقة المواطنين بالنظام السياسي وبقدرته على إنتاج سلطة تنفيذية فعّالة.
ولكي يخرج العراق من هذا الانسداد المتكرر، يمكن التفكير في مقترح عملي بسيط وواضح يقوم علىتعديل آلية التكليف بحيث تصبح مرتبطة مباشرة بنتائج الانتخابات لا بالمفاوضات اللاحقة لها. ويقومهذا المقترح على قاعدة أساسية مفادها أن الحزب أو الائتلاف الذي يحصل على أغلبية النصف زائد واحدمن مقاعد مجلس النواب يكون له الحق المباشر في تشكيل الحكومة واختيار رئيس مجلس الوزراء،تماماً كما يحدث في عدد من الأنظمة البرلمانية المستقرة مثل بريطانيا.
غير أن التجربة العراقية تشير إلى احتمال عدم حصول أي حزب على هذه الأغلبية، وهو احتمال وارد فيظل التعددية السياسية الواسعة. لذلك يمكن اعتماد قاعدة مكملة تنص على أنه إذا لم يحصل أي حزبأو ائتلاف انتخابي على الأغلبية المطلقة، تُمنح القوى السياسية مهلة محددة – لنقل ثلاثين يوماً – لتشكيل ائتلاف حاكم يحقق هذا الشرط. فإذا انقضت المهلة دون تحقيق الأغلبية المطلوبة تُعادالانتخابات البرلمانية مرة أخرى.
تكمن قوة هذا المقترح في أنه يضع الجميع أمام قاعدة واضحة: إما تشكيل أغلبية حاكمة حقيقية قادرةعلى إدارة الدولة، أو العودة إلى الشعب ليعيد توزيع موازين القوى عبر انتخابات جديدة. وبهذا تنتقلالعملية السياسية من منطق المساومات المفتوحة إلى منطق الحسم الديمقراطي.
كما أن هذا المقترح يحقق عدة نتائج مهمة في آن واحد. أولاً، إنه يدفع الأحزاب إلى بناء تحالفاتها قبلالانتخابات لا بعدها، مما يجعل الناخب يعرف مسبقاً طبيعة الحكومة المحتملة وبرنامجها. ثانياً، إنه يحدمن ظاهرة الحكومات التوافقية الواسعة التي تضعف مبدأ المسؤولية السياسية، لأن الحكومة ستقومعلى أغلبية واضحة تقابلها معارضة برلمانية واضحة أيضاً. ثالثاً، إنه يعيد للناخب دوره الحاسم فيتحديد اتجاه السلطة التنفيذية بدلاً من أن تُحسم الأمور داخل غرف التفاوض المغلقة.
إن العراق يحتاج اليوم إلى نظام سياسي قادر على إنتاج حكومة بسرعة وكفاءة بعد كل انتخابات، لأناستمرار حالات الانسداد يضعف الدولة ويعطل قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنيةوالتنموية. ومن هنا فإن إصلاح آلية اختيار رئيس مجلس الوزراء لم يعد مسألة تقنية صغيرة، بل أصبحشرطاً أساسياً لاستقرار النظام السياسي نفسه.
إن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراء الانتخابات، بل على قدرة النظام السياسي على تحويل نتائجالانتخابات إلى سلطة تنفيذية فاعلة. وإذا استطاع العراق أن يطور هذه الآلية بحيث تصبح واضحةوحاسمة، فإنه يكون قد خطا خطوة مهمة نحو بناء دولة أكثر استقراراً وقدرة على العمل.
إن الخروج من مأزق اختيار رئيس الوزراء لا يحتاج بالضرورة إلى حلول معقدة، بل إلى قاعدة دستوريةبسيطة وواضحة: أغلبية تحكم، ومعارضة تراقب، والشعب يبقى الحكم النهائي عندما يعجز السياسيونعن الحسم.
