منصة ثقافية أدبية

مباراة‭ ‬الأربعين‭ ‬عاماً- حسن النواب


بتاريخ مارس 30, 2026 | في اراء حرة

المشاهدات : 80


ليس‭ ‬اعتباطاً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأرض‭ ‬كروية؛‭ ‬وربما‭ ‬صارت‭ ‬كذلك‭ ‬لشغف‭ ‬البشرية‭ ‬بلعبة‭ ‬كرة‭ ‬القدم؛‭ ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬إنْ‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬دولٌ‭ ‬عربيةٌ‭ ‬غير‭ ‬وطني‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬تُطلق‭ ‬على‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬طوبه‮»‬،‭ ‬وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬معجم‭ ‬المعاني‭ ‬وجدت‭ ‬أنَّ‭ ‬معنى‭ ‬طوبة‭ ‬هو‭ ‬اللبنة‭ ‬المحروقة،‭ ‬ولها‭ ‬معنىً‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬خامس‭ ‬الشهور‭ ‬القبطية،‭ ‬ومن‭ ‬اشتقاقاتها‭ ‬مفردة‭ ‬طوباوي‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬يحلّق‭ ‬بأفكاره‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنَّ‭ ‬سحر‭ ‬الكرة‭ ‬المستديرة‭ ‬ستجعلنا‭ ‬طوباويين‭ ‬حقاً،‭ ‬ونحنُ‭ ‬نترقَّبُ‭ ‬بمتعة‭ ‬وشوق‭ ‬مبارياتها‭ ‬التي‭ ‬ستجُرى‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬حزيران‭ ‬على‭ ‬ملاعب‭ ‬المكسيك‭ ‬وكندا‭ ‬وأمريكا‭ ‬التي‭ ‬لعبت‭ ‬بالعالم‭ ‬طوبه؟‭! ‬حيث‭ ‬الصراع‭ ‬الملتهب‭ ‬بين‭ ‬ثمانية‭ ‬وأربعين‭ ‬منتخباً‭ ‬تتنافس‭ ‬للظفر‭ ‬بكأس‭ ‬العالم‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬الخالص‭ ‬والذي‭ ‬يُسمّى‭ ‬كأس‭ ‬جول‭ ‬ريمه‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬فكرة‭ ‬مسابقة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يشغل‭ ‬رئاسة‭ ‬اتحاد‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬الفرنسي‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1919‭ ‬و1945،‭ ‬ورئيس‭ ‬الفيفا‭ ‬بين‭ ‬عام‭ ‬1921‭ ‬و1954،‭ ‬والعبرة‭ ‬ليست‭ ‬بحصاد‭ ‬الذهب،‭ ‬فلو‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بهذا‭ ‬المعدن‭ ‬الثمين‭ ‬سنجد‭ ‬أنَّ‭ ‬الدول‭ ‬النفطية‭ ‬بوسعها‭ ‬صناعة‭ ‬كأس‭ ‬عملاقة‭ ‬من‭ ‬الذهب،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الفوز‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬معنوياً‭ ‬حين‭ ‬ترنو‭ ‬أنظار‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬منتخب‭ ‬الحظ‭ ‬السعيد‭ ‬الذي‭ ‬يظفر‭ ‬بالكأس‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭. ‬ولمباريات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬مواقف‭ ‬وأحداث‭ ‬تراجكوميدية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أنْ‭ ‬تُبلى‭ ‬من‭ ‬الذاكرة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬بداية‭ ‬متابعتي‭ ‬لتلك‭ ‬المباريات‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬وصادفت‭ ‬في‭ ‬وقتها‭ ‬الامتحانات‭ ‬الوزارية‭ ‬لما‭ ‬كنت‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬الإعدادي،‭ ‬وكان‭ ‬البث‭ ‬الملون‭ ‬حديثاً‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز‭ ‬العراقية،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬النقل‭ ‬عبر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬يحدث‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬خلال‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬وكان‭ ‬الفريق‭ ‬العربي‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬نتابعه‭ ‬بشغف‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البطولة‭ ‬هو‭ ‬المنتخب‭ ‬التونسي،‭ ‬خاصة‭ ‬كرة‭ ‬تميم‭ ‬حازمي‭ ‬التي‭ ‬ارتدت‭ ‬من‭ ‬عارضة‭ ‬المنتخب‭ ‬الألماني،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البطولة‭ ‬حقَّقَ‭ ‬الفريق‭ ‬التونسي‭ ‬أول‭ ‬فوز‭ ‬عربي‭ ‬بكأس‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬فريق‭ ‬المكسيك‭ ‬وبفوز‭ ‬عريض‭ ‬كان‭ ‬بثلاثة‭ ‬أهداف‭ ‬مقابل‭ ‬هدف‭ ‬واحد،‭ ‬وكنت‭ ‬قد‭ ‬أهملتُ‭ ‬مطالعة‭ ‬دروسي‭ ‬لأفضِّلُ‭ ‬عليها‭ ‬متابعة‭ ‬مباريات‭ ‬البطولة،‭ ‬لكنَّ‭ ‬المفاجأة‭ ‬أنَّ‭ ‬نتيجة‭ ‬الامتحان‭ ‬جاءت‭ ‬باهرة‭ ‬لأنال‭ ‬معدَّلاً‭ ‬تجاوز‭ ‬الخمسة‭ ‬والسبعين‭ ‬بالمئة‭ ‬وسط‭ ‬ذهولي‭ ‬ودهشة‭ ‬العائلة،‭ ‬وعندما‭ ‬جاءت‭ ‬بطولة‭ ‬1982‭ ‬كان‭ ‬وطني‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬بحرب‭ ‬ضروس‭ ‬مع‭ ‬الجارة‭ ‬إيران،‭ ‬وقد‭ ‬حقَّقتْ‭ ‬الشقيقة‭ ‬الجزائر‭ ‬نتائج‭ ‬لافتة‭ ‬بتلك‭ ‬البطولة‭ ‬العالمية،‭ ‬لولا‭ ‬المؤامرة‭ ‬الخبيثة‭ ‬بين‭ ‬ألمانيا‭ ‬والنمسا‭ ‬التي‭ ‬ابعدت‭ ‬الجزائر‭ ‬من‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬الدور‭ ‬الثاني،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1986‭ ‬كان‭ ‬العرس‭ ‬العراقي‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬مونديال‭ ‬المكسيك،‭ ‬مع‭ ‬أغنية‭ ‬المطربة‭ ‬الراحلة‭ ‬ربيعة‭ ‬التي‭ ‬حفظها‭ ‬كل‭ ‬بيت‭ ‬عراقي‭ ‬‮«‬منتخبنه‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬حضرناله‭ ‬شموع‭ ‬وكيك‮»‬‭. ‬ولأني‭ ‬كنت‭ ‬سائق‭ ‬دبابة‭ ‬في‭ ‬جبهات‭ ‬القتال؛‭ ‬قرَّرت‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬إشبيلية‭ ‬لمتابعة‭ ‬مباراة‭ ‬منتخب‭ ‬العراق‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بثلاث‭ ‬خسائر‭ ‬متتالية‭ ‬مع‭ ‬منتخبات‭ ‬بارغواي‭ ‬وبلجيكا‭ ‬والمكسيك‭ ‬مضيفة‭ ‬البطولة،‭ ‬وخرجنا‭ ‬من‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬بهدف‭ ‬يتيم‭ ‬سجله‭ ‬اللاعب‭ ‬الساحر‭ ‬أحمد‭ ‬راضي‭ ‬بمرمى‭ ‬حارس‭ ‬مرمى‭ ‬بلجيكا‭ ‬التي‭ ‬احتلت‭ ‬المركز‭ ‬الرابع،‭ ‬وهو‭ ‬الهدف‭ ‬العراقي‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬اتحاد‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬العراقي،‭ ‬ولما‭ ‬عدتُ‭ ‬إلى‭ ‬وحدتي‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬عوقبتُ‭ ‬بالسجن‭ ‬لمدة‭ ‬شهر‭ ‬مع‭ ‬حلاقة‭ ‬نمرة‭ ‬صفر‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أنَّ‭ ‬لهفتي‭ ‬لمتابعة‭ ‬مباريات‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬لا‭ ‬تنافسها‭ ‬هواية‭ ‬أخرى‭ ‬سوى‭ ‬التسكع‭ ‬تحت‭ ‬نثيث‭ ‬المطر،‭ ‬وها‭ ‬نحنُ‭ ‬جميعاً‭ ‬نترقَّبُ‭ ‬المباراة‭ ‬الحاسمة‭ ‬بين‭ ‬منتخبنا‭ ‬ومنتخب‭ ‬بوليفيا‭ ‬فجر‭ ‬الأربعاء،‭ ‬وعيوننا‭ ‬تراقب‭ ‬بقلق‭ ‬رقّاص‭ ‬الساعة‭ ‬حد‭ ‬احتباس‭ ‬الأنفاس،‭ ‬ويحدونا‭ ‬الأمل‭ ‬مع‭ ‬الدعوات‭ ‬لرؤية‭ ‬العراق‭ ‬الحبيب‭ ‬متأهلاً‭ ‬إلى‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬ويكون‭ ‬المنتخب‭ ‬العربي‭ ‬الثامن؛‭ ‬وليلعب‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬فرنسا‭ ‬والسنيغال‭ ‬والنرويج‭. ‬فلا‭ ‬غير‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬من‭ ‬تجعل‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬وطني‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬واحد،‭ ‬وعسى‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬سماء‭ ‬بلادي‭ ‬بلا‭ ‬طائرات‭ ‬مسيَّرة‭ ‬ساعة‭ ‬المباراة‭ ‬المرتقبة‭. ‬وتبقى‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬فرصة‭ ‬رائعة‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬المسالم‭ ‬للتمتع‭ ‬بأحداثها‭ ‬المثيرة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تتكرر‭ ‬إلاَّ‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭. ‬سأتابع‭ ‬المباراة‭ ‬الساعة‭ ‬الحادية‭ ‬عشر‭ ‬صباحاً‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬ولتذهب‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬التي‭ ‬أشكو‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الجحيم؛‭ ‬وبمناسبة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الطوبة‮»‬،‭ ‬ثمة‭ ‬سؤال‭ ‬طوباوي‭ ‬بريء‭ ‬يلاحقني‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الأرواح‭ ‬الطيبة‭ ‬التي‭ ‬رحلت‭ ‬إلى‭ ‬السماء‭ ‬من‭ ‬شهداء‭ ‬وضحايا‭ ‬أبرياء‭ ‬نتيجة‭ ‬القصف‭ ‬الغادر‭ ‬لثكناتهم‭ ‬العسكرية،‭ ‬إنْ‭ ‬كان‭ ‬بوسعهم‭ ‬مشاهدة‭ ‬مباراة‭ ‬المنتخب‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬أعالي‭ ‬السماء؛‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬كانوا‭ ‬يترقبون‭ ‬مثلنا‭ ‬هذه‭ ‬المباراة‭ ‬الحاسمة؛‭ ‬وهل‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬أنَّ‭ ‬السماء‭ ‬الشاسعة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬هناك؟‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬المحزن‭ ‬أنَّ‭ ‬تكون‭ ‬الفراديس‭ ‬الساحرة‭ ‬بلا‭ ‬طوبة‭.‬

 

أواصل‭ ‬كتابة‭ ‬حلقاتي‭ ‬عن‭ ‬تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬القادم‭ ‬ويكون‭ ‬منتخب‭ ‬العراق‭ ‬قد‭ ‬حجز‭ ‬تذكرة‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭ ‬أم‭ ‬المشاكل‭.‬

الوسوم: