منصة ثقافية أدبية

الهيمنة ضد نفسها / محمد الكلابي


بتاريخ مارس 27, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


محمد الكلابي

كتب المفكر الإيطالي نيقولا ميكيافيلي عبارة يعرفها كل من سبر أغوار الحكم: “الدولة التي توزّع قوتها على جبهات كثيرة تفقد القدرة على السيطرة؛ لأن الحسم يتبدد حين يتشتت”. لم يكن يتحدث عن الولايات المتحدة بالطبع، لكن هذه الرؤية القديمة تتجلى اليوم كأدق وصف للحالة الأمريكية، متفوقة على كثير من التقارير الاستراتيجية الحديثة.
​تتصرف واشنطن منذ سنوات كقطب يسعى لإدارة ثلاثة صراعات كبرى في آن واحد؛ مواجهة موسكو في أوكرانيا، محاصرة التنين في شرق آسيا، وملاحقة طهران في الشرق الأوسط. نظرياً، يظهر هذا المشهد زخماً عالمياً، لكنه في الواقع ينجلي عن تخبط في تحديد الأولويات، حيث لا يعرف صاحب النفوذ أين يوجه ضربته الحاسمة أولاً.
​المواجهة الجارية مع إيران تكشف هذا الارتباك بجلاء. تمتلك الإدارة الأمريكية ترسانة عسكرية هائلة؛ قواعد منتشرة، وأساطيل تجوب البحار، وقدرة على بلوغ أهداف بعيدة في دقائق. ومع ذلك، لا تنجلي الصورة عن معركة تنهي الملفات العالقة. الضربات تتبعها ردود فعل، والتوتر يزحف نحو الممرات المائية، والأسواق العالمية ترتجف مع كل شرارة. الاقتدار المادي موجود، غير أن القدرة على لجم الصراع تظهر أقل وضوحاً مما تحاول القوة العظمى إقناع العالم به.
​تتحدث الولايات المتحدة دائماً بلغة الهيمنة، وتظهر في بياناتها الرسمية كمدير للنظام العالمي. لكنها حين تتحرك ميدانياً، تتراءى كطرف يطارد الأزمات عوضاً عن إدارتها. أوروبا الشرقية تستنزف التركيز العسكري، وشرق آسيا يطالب بيقظة دائمة، والشرق الأوسط يرفض الخروج من جدول الأعمال مهما أعلنت “واشنطن” رغبتها في الانكفاء عنه.
​هذا المشهد ليس بجديد؛ فالإمبراطورية الرومانية في مراحلها المتأخرة كانت تتسم بالضخامة ذاتها: جيوش جرارة، وحدود شاسعة، ونفوذ يطول القارات. غير أن المعضلة لم تكمن في حجم البطش، بل في العجز عن ضبط هذا الامتداد. كانت روما قادرة على القتال في كل اتجاه، لكنها فقدت القدرة على وضع نهايات للصراعات التي تخوضها.
​يحمل الواقع الأمريكي اليوم ملامح هذا الإرهاق الاستراتيجي. الماكنة العسكرية ما تزال جبارة، إلا أن البيئة التي تتحرك فيها أصبحت أكثر تشابكاً. الخصوم لا يستدرجون واشنطن إلى معارك تقليدية فحسب، بل يدفعونها نحو ساحات مليئة بالتعقيدات الاقتصادية والسياسية.
​في الخليج مثلاً، لا تتحرك البوارج وحدها؛ الطاقة تبحر معها، ومعها أسواق النفط والممرات الملاحية والتحالفات الإقليمية. أي فعل عسكري لم يعد حدثاً معزولاً، بل يتحول فوراً إلى هزة ارتدادية في شبكة الاقتصاد العالمي. وهنا، تفقد الغلبة العسكرية جزءاً من بريقها وتأثيرها.
​الفارق في الإمكانيات بين طهران وواشنطن شاسع، لكن الأخيرة تبدو أحياناً كعملاق يتحرك داخل متاهة ضيقة. الضربة التي يُفترض أن تعيد الهيبة تتحول إلى سلسلة من التفاعلات الخارجة عن السيطرة. القوة الأمريكية تملك القدرة على الإيلام، لكنها تفتقر إلى فرض خاتمة نظيفة للصراع.
​بينما تنشغل الإدارة الأمريكية بإطفاء هذه الحرائق، يراقب لاعب آخر المشهد بحسابات هادئة. الصين لا تغرق في المواجهات المسلحة، بل تعكف على تشييد البنى التحتية وتمتين شبكات التجارة. وفي حين تتحرك الولايات المتحدة داخل دوامة الأزمات العسكرية، ينشط “التنين” في مسار زمني أطول، يبني فيه سطوته بصمت.
​يكشف هذا التباين حقيقة جوهرية في طبيعة النظام الدولي الراهن؛ التفوق العسكري لم يعد الصك الوحيد للسيطرة. العالم صار أكثر تداخلاً، وباتت الطاقة والتجارة ترسم موازين القوى بقدر ما تفعل الجيوش.
​لذا، تظهر الولايات المتحدة اليوم ككيان هائل يملك أكبر ترسانة في التاريخ، لكنها تظهر أيضاً كعملاق يلوّح بقبضته في كل اتجاه. المشكلة ليست في حجم القبضة، بل في أن العالم لم يعد يرتعد منها كالسابق. السطوة ما تزال قائمة، غير أن ممارستها باتت تشبه محاولة حصر الرمل بين الكفين: كلما اشتدت الضغطة، تسربت الذرات من بين الأصابع.

الوسوم: