محمد الكلابي
في بلدٍ يخلط بين الثقافة والديكور، وبين الوعي والمناصب، لم يعد مستغرباً أن يُحاكم المثقف لأنه تكلّم، وأن يُكافأ السياسي لأنه صمت. أحدث مثال صارخ على ذلك ما جرى بين نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي واللجنة الثقافية في مجلس النواب، بعد أن قال الرجل جملة واضحة لا تحتمل التأويل: إن اللجنة لا تضمّ مثقفاً واحداً. عبارة صادقة، جريئة، لكنها كانت كافية لتفجير جنونٍ سياسيٍّ جديد، ولإشعال بيانٍ نيابيٍّ مرتبكٍ مليءٍ بالأخطاء، لا يثبت إلا شيئاً واحداً: أن من تكلّم كان يعرف ما يقول، ومن ردّ لا يعرف عمّ يتحدث.
لقد لخّص د.جبار جودي مأساة الثقافة العراقية: تُدار من قبل أناسٍ لا علاقة لهم بها، ويتحدث باسمها من لم يقرأ كتاباً في حياته. السياسي العراقي حين يتحدث عن الثقافة، يشبه من يشرح الموسيقى وهو أصمّ؛ لا يفهم الفن إلا حين يُقدَّم له في حفل، ولا يعرف الأدب إلا حين يُترجم له في تقرير. هؤلاء الذين يجلسون على كراسي اللجان لا يملكون من الثقافة سوى عناوينها الرسمية، ومن اللغة سوى قدرتهم على كسرها.
بدل أن تحوّل اللجنة تصريح النقيب إلى نقاشٍ حول معنى التمثيل الثقافي في الدولة، اختارت الطريق الأسهل: الغضب، والبيان، والتهديد بالمحاسبة، وكأنها لجنة انضباط لا لجنة ثقافة. والمفارقة أنّ بيانها نفسه كان كفيلاً بإثبات كلامه، فكل خطأ لغوي فيه كان صفعة للنفاق الذي تظنه هيبة. حين تصدر لجنة ثقافية بياناً لا يصمد أمام تلميذٍ في الابتدائية، فلا لوم على من قال إنها بلا مثقفين.
لكن المشكلة أعمق من بيانٍ مرتبك؛ إنها في منطق السلطة ذاته. في العراق، من ينتقد يُتَّهَم، ومن يصمت يُكرَّم، ومن يتحدث بوضوحٍ يُحاكم.
السياسي لا يريد مثقفاً يُفكّر، بل شاهداً يُصفّق. هذه ذهنيةٌ ترى في الوعي تهديداً، وفي الحقيقة فضيحةً يجب إسكاتها.
ما فعله الدكتور جبار جودي لم يكن تمرّداً، بل دفاعاً عن المنطق. حين قال إن اللجنة الثقافية بلا مثقفين، لم يهاجم أحداً، بل وصف واقعاً يراه العراقيون كل يوم. وردّ اللجنة لم يُفنّد كلامه، بل كشف الفجوة بين من يعيش الثقافة ومن يتاجر بها. فهؤلاء لا يريدون وعياً حقيقياً، بل واجهةً مزخرفة لسلطةٍ خاوية، ومثقفين مطيعين يجيدون المجاملة لا المواجهة.
لقد قال جودي ما يخشاه الجميع: إن الثقافة في العراق باتت أسيرة السياسيين. تُدار كملفٍّ إداريٍّ وتُناقش كميزانية، وتُخنق كلما حاولت أن تتنفس. ولو كان في اللجنة مثقفٌ واحد، لاعتبر كلامه دعوةً للتصحيح لا جريمة. لكن الجهل حين يجلس على الكرسي يرى في الحقيقة خصماً شخصياً، وفي المثقف عدواً يجب إسكاتُه.
هذه ليست قضية شخصٍ أو نقابة، بل مشهدٌ ثقافيٌّ مريض يختصره سؤال واحد: من يحاسب من؟ هل يُحاسَب من قال الحقيقة، أم من أثبت جهله في الردّ عليها؟ هل يُدان من استخدم اللغة بوعي، أم من شوّهها ببيانٍ رسميٍّ ووقع باسمه؟ هذه ليست مفارقة لغوية بل أخلاقية: حين يصبح الجهل سلطة، تتحوّل الحقيقة إلى تهمة.
ربما كان على الدكتور جبار جودي أن يعتذر…
لا لأنه أخطأ، بل لأنه تكلّم بلغةٍ لم يتعلّمها البرلمان بعد.
في هذا البلد، تُترجم الحقيقة إلى تهجّم، والوضوح إلى وقاحة.
إنها ليست أزمة تصريح، بل أزمة فهم:
الوعي يتكلم بلغة العقل، بينما السلطة لا تسمع إلا صدى صوتها.
