منصة ثقافية أدبية

حكاية تتكرر / فاطمة الراوي


بتاريخ مارس 27, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 2


فاطمة الراوي

في زحمة الأخبار المتلاحقة، والأحداث المتسارعة، التي تعيشها المنطقة اليوم، يخيَّل للمتابع، أن العالم يسير نحو منعطفات جديدة، لم يعرفها من قبل، غير أن الحقيقة التي يدركها من يقرأ التاريخ بعينٍ واعية، هي أن ما نشهده اليوم ليس جديدًا تمامًا، بل مشهد يتكرر بصيغ مختلفة. ففي كل مرة يظن الإنسان أن التاريخ قد طوى صفحاته القديمة، يعود ليفتحها من جديد، وكأنها لم تُغلق قط. فالتاريخ، كما يقال، لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعيد المشهد بروحٍ مختلفة وأسماء جديدة. وما نراه اليوم من أحداث متسارعة في المنطقة والعالم يعيد إلى الذاكرة تلك اللحظات القاسية التي عاشها العراق عند سقوط النطام ، خلال إحتلال العراق عام 2003.

حينها لم يكن السقوط مجرد حدث عسكري، بل كان زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا هزَّ بنية الدولة والمجتمع معًا. انهارت مؤسسات، وتبدلت معادلات، ووجد العراقي نفسه أمام واقعٍ لم يكن يتخيله. المدن التي كانت تنام على ضجيج الحياة، استيقظت على صوت الفوضى، والناس الذين اعتادوا يقين الدولة وجدوا أنفسهم أمام فراغٍ ثقيل، يبحثون فيه عن معنى الاستقرار إلى يومنا هذا ، اليوم ونحن نتابع ما يجري من صراعات وتوترات في (المنطقة)، نشعر بأن المشهد يحمل ملامح تلك الأيام. ليس لأن الأحداث متطابقة، بل لأن الآليات ذاتها تتكرر: صراع على النفوذ، تدخلات خارجية، انقسام داخلي، وشعوب تدفع الثمن الأكبر. إنها الحكاية نفسها، لكن بوجوه جديدة وأدوار مختلفة.
في عام 2003، ظنَّ كثيرون أن سقوط النظام سيعني بداية مرحلةٍ أكثر استقرارًا وازدهارًا، لكن الواقع أثبت أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء الدول. فالفراغ الذي يتركه الانهيار غالبًا ما تمتلئ به الفوضى، ويصبح الوطن ساحة تتنازعها المصالح والاتجاهات.
وما يحدث اليوم في بعض البلدان يعيد إلى الذاكرة تلك اللحظة العراقية المؤلمة؛ لحظة الانتقال المفاجئ من دولة قائمة، مهما كانت أزماتها، إلى حالةٍ من الاضطراب المفتوح. فالتاريخ لا يكتفي بأن يروي قصص الماضي، بل يهمس بها في أذن الحاضر محذرًا: إن تجاهل الدروس يعني الاستعداد لتكرار المأساة.
العراق، الذي كان يومًا قلب المنطقة النابض بالثقافة والحضارة، دفع ثمنًا باهظًا لتلك التحولات. ومع ذلك، ظل العراقي قادرًا على النهوض، كما فعل عبر تاريخه الطويل. فالشعوب التي عرفت الحضارة منذ آلاف السنين لا تموت بسهولة، حتى وإن تعثرت مرارًا.
إن الحكاية التي تتكرر ليست مجرد سردٍ سياسي، بل درسٌ إنساني عميق: أن الأوطان لا تسقط فجأة، بل تتآكل ببطء عندما تتراكم الأخطاء، وتتغلب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن. وعندما يحدث ذلك، يصبح التاريخ مرآةً قاسية، تعكس لنا ما كنا وما قد نصبح.
وهكذا تبقى الأحداث الجارية تذكرنا بأن ما جرى للعراق لم يكن فصلًا من الماضي فحسب، بل إنذارًا دائمًا لكل من يظن أن التاريخ قد انتهى. فالتاريخ لا يصرخ كثيرًا… لكنه يترك لنا العلامات، ومن يتجاهلها قد يجد نفسه يومًا داخل الحكاية نفسها التي ظنّ أنها انتهت.

الوسوم: