فاروق الرماحي
لم يكن اغتيال المرشد الإيرانى علي خامنئي ، حدثاً عادياً في تاريخ الصراعات الإقليمية.
فالرجل الذي حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان الركيزة التي توازن بين مؤسسات معقدة
الحرس الثوري، المؤسسة الدينية، والبيروقراطية الثورية التي نشأت منذ قيام الثورة الاسلامية ومع اغتياله ، تبدو إيران وكأنها تدخل مرحلة من الضبابية السياسية ، حيث تختلط احتمالات الانتقام بحسابات البقاء.
الولايات المتحدة التي تعد نفسها منتصرة بعد اغتيال المرشد .
.وإيران، في المقابل، لا تبدو مستعدة للاستسلام.
وبين هذين الموقفين، يقف الشرق الأوسط على حافة لحظة تاريخية قد تعيد رسم توازناته.
السؤال الأول الذي يطرح نفسه في واشنطن والعواصم الإقليمية
ما الهدف الحقيقي لهذه الحرب؟
هل الهدف إسقاط النظام الإيراني؟
أم تدمير المشروع النووي الإيراني ومنع طهران من امتلاك القدرة النووية؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الضربات التي استمرت اثني عشر يوماً دمرت البنية الأساسية للمشروع النووي الإيراني ..
إذا ً لماذا هذه الحرب !
لكن تجربة الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط تشير إلى حقيقة معروفة
النصر العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي.
ففي العراق وأفغانستان، أثبت التاريخ أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء ما يأتي بعدها.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر تعقيداً
إذا سقط النظام الإيراني، فمن يملأ الفراغ؟
المعارضة الإيرانية في الخارج ما تزال مشتتة، وشخصيات مثل رضا بهلوي ابن الشاه السابق، لا تبدو قادرة على توحيد الداخل الإيراني أو إدارة دولة بحجم وتعقيد إيران.
في مثل هذا الفراغ، قد لا يكون سقوط النظام نهاية الأزمة، بل بداية فوضى إقليمية طويلة.
إيران، حتى وهي في لحظة ضعف، ما تزال قوة إقليمية تمتلك شبكة نفوذ عسكرية وسياسية تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.
وفي منطق الأنظمة التي تشعر أن وجودها مهدد، قد تتحول الحرب إلى معركة بقاء.
وقد تتصرف إيران، في هذه الحالة، مثل أسد جريح.
وهنا يظهر الخطر الأكبر
أنتقال الحرب من مواجهة محدودة إلى صراع إقليمي واسع.
وهنا يجب الإشارة إلى أن أقرب الأهداف وأكثرها هشاشة هي دول الخليج.
فهذه الدول، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والبنية التحتية الحيوية، قد تتحول بسرعة إلى ساحات ضغط استراتيجية.
وتبرز هنا نقطة حساسة
معظم دول الخليج تعتمد بشكل شبه كامل على محطات تحلية المياه. استهداف هذه المنشآت يمكن أن يحول الصراع العسكري إلى أزمة إنسانية خلال أيام قليلة.
وهذه قرار إنتحاري قد يتخذه الحرس الثوري تحت شعار علية وعلى اعدائي .
لكن وسط كل هذه الحسابات الإقليمية، هناك بلد يقف في قلب العاصفة أكثر من غيره العراق.
فالعراق ليس مجرد جار لإيران، بل هو الساحة الأكثر تعقيداً في معادلة النفوذ الإيراني منذ عام 2003. الحدود الطويلة بين البلدين، والتشابك السياسي والأمني، جعلت من العراق امتداداً استراتيجياً لطهران.
وفي لحظة غياب المرشد، قد يتحول العراق إلى الساحة التي تُختبر فيها موازين القوة الجديدة.
فإذا قررت إيران الرد عبر أدواتها الإقليمية، فإن العراق سيكون إحدى الجبهات الأكثر حساسية. القواعد العسكرية الأمريكية، والتوازنات السياسية الهشة، والانقسام الداخلي، كلها عوامل تجعل من العراق نقطة احتكاك محتملة بين واشنطن وطهران.
لكن الخطر لا يكمن فقط في احتمال التصعيد العسكري.
الخطر الأكبر أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة صراع بالوكالة، كما حدث في السنوات التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين
فالتاريخ العراقي الحديث يقدم درساً واضحاً
حين تتصارع القوى الكبرى في المنطقة، يكون العراق غالباً هو الأرض التي تُدفع فيها كلفة ذلك الصراع.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي بالنسبة للعراقيين اليوم ليس فقط ماذا سيحدث في إيران، بل ماذا سيحدث للعراق إذا دخلت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل كبرى.
فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة مفصلية.
حرب قد تعيد رسم التوازنات، وربما الخرائط أيضاً.
لكن التجربة التاريخية تقول إن الحروب قد تُغيّر الأنظمة بسرعة، بينما تبقى آثارها لعقود طويلة.
والعراق، أكثر من أي بلد آخر في المنطقة، يعرف جيداً معنى أن تبدأ الحروب سريعاً…
لكن إلى أين وكيف تنتهي .
