منصة ثقافية أدبية

ما بعد اغتيال المرشد الأعلى


بتاريخ مارس 8, 2026 | في مقالات

المشاهدات : 5


فلاح الكلابي

يُقدَّم اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله السيد علي خامنئي، على أنه نصر حاسم أنهى المواجهة. تُختصر المسألة في ضربة عسكرية، ويُقال إن رأس الدولة سقط، وبالتالي سقط المشروع كله. هذا تفسير مبسط لا يقرأ طبيعة الصراع كما هي.

 

في ميزان الإمام علي، لا تُقاس النتائج بلحظة الإعلان، بل بما يترسخ بعد ذلك في النفوس والمؤسسات. قال: «اعرف الحق تعرف أهله». المعنى واضح: لا تجعل بقاء الشخص أو غيابه هو المعيار الوحيد. انظر إلى الفكرة التي يمثلها، وإلى الأرض التي قامت عليها.

 

المرشد الأعلى لم يكن مجرد قائد سياسي. كان مرجعاً دينياً وزعيم دولة، ورمزاً لمشروع يعتبر نفسه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل منذ عقود. اغتياله ليس حدثاً أمنياً فقط، بل حدث سياسي ومعنوي كبير. السؤال الحقيقي ليس: هل نجحت الضربة؟ بل: ماذا غيّرت فعلاً؟

 

إذا كان الهدف كسر إرادة الدولة، فالإرادة لا تُقاس بحياة شخص واحد.

إذا كان الهدف إنهاء مشروع الاستقلال، فالمشروع لا يتوقف عند اسم.

الدولة التي واجهت حصاراً وعقوبات وحروباً بالوكالة طوال سنوات طويلة لم تكن قائمة على فرد فقط، بل على منظومة مؤسسات وعقيدة سياسية واضحة.

 

إيران اليوم تخوض حرباً مفتوحة مع ما تسميه “الشيطان الأكبر” ومع إسرائيل. هذا توصيف تستخدمه طهران منذ الثورة الإسلامية، وهو يعكس قناعة بأن الصراع ليس عابراً، بل صراع إرادات.

 

لماذا هذا الثقل الأمريكي والإسرائيلي في المواجهة؟

لأن إيران خرجت عن قاعدة الخضوع الإقليمي. لم تقبل أن تكون جزءاً من منظومة أمنية تُدار من الخارج، ولم تقبل أن يكون قرارها الاستراتيجي مرهوناً برضا واشنطن.

 

الإمام علي وضع مبدأ واضحاً في معنى الاستقلال والكرامة: لا تكن تابعاً، ولا تجعل قرارك بيد غيرك. هذا المبدأ ليس شعاراً دينياً فقط، بل قاعدة سياسية. الدولة التي تسلم قرارها تفقد احترامها أولاً، ثم تفقد أمنها لاحقاً.

 

من هذه الزاوية تُفهم الحرب الجارية. ليست مجرد صواريخ وقواعد عسكرية، بل معركة على من يملك تعريف أمن المنطقة. هل تُرسم حدود القرار في العواصم المحلية، أم في مراكز القوة الكبرى؟

 

اغتيال المرشد الأعلى يُقدَّم كإنجاز عسكري، لكنه قد يتحول أيضاً إلى لحظة إعادة تعبئة داخلية. عندما يُستهدف رأس الدولة ومرجعيتها الدينية، يتحول الحدث إلى قضية تتجاوز السياسة اليومية. كثيرون قد يختلفون مع إيران في ملفات متعددة، لكن استهداف قيادة دولة بهذا الشكل يفتح نقاشاً أوسع حول سيادة الدول وحدود القوة.

 

في ميزان الإمام علي، قد تخسر جولة، لكنك إذا ثبتَّ على موقفك ولم تتنازل عن قرارك، فأنت لم تُهزم. الخسارة الحقيقية هي التخلي عن المبدأ تحت الضغط. أما الألم الناتج عن الضربة، فقد يتحول إلى عنصر صلابة إذا بقيت الفكرة واضحة.

 

إيران اليوم أمام اختبار كبير.

إما أن تتراجع وتقبل بشروط تُفرض عليها،

أو أن تعيد تنظيم صفوفها وتثبت أن مشروعها لا ينتهي باغتيال قائد.

 

الخصم قد يرى في ما حدث نصراً سريعاً. لكن الصراعات بين الدول لا تُحسم بالضربات وحدها، بل بقدرة كل طرف على الحفاظ على قراره واستمرارية مؤسساته.

 

المعركة الحالية ليست فقط معركة سلاح.

هي معركة إرادة وهوية واستقلال.

 

ومن يختار طريق المواجهة منذ البداية يعرف أن الثمن سيكون باهظاً، لكنه يعرف أيضاً أن التراجع بعد كل ضربة يعني نهاية الدور بالكامل.

الوسوم: